تجذبك تعقيدات ملف النزاع الدّولي القائم بين الدولة التونسية والمجموعة العربية الدولية للأعمال ABCI ، أسسها الأمير السعودي بندر بن خالد ابن عبد العزيز بمعيّة المحامي التونسي عبد المجيد بودن، منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، نحو مربعات تقاطع المالي والإداري مع السياسة وأُتونِها، فلا تجد فِكاكا من عُمق الغوص خلف مرايا تقارير إعلام "التولك شو" (talk show) ومجلّدات الأحكام القضائية المحليّة والدّولية التي لم يتوقف قطارها منذ أن أصدرت غرفة التحكيم الدّولية بباريس أوّل قرار تحكيمي في النّزاع في 23 جويلية 1987 وصولا إلى آخر قرار صادر عن المركز الدّولي لتسوية نزاعات الاستثمار CIRDI بتاريخ 17 جويلية 2017.
وأنت تُقلّب دفاتر النزاع القائم بين الدّولة التونسيّة، بوصفها مساهما غير مباشر في البنك الفرنسي التونسي الذي تمّ تأميمه من مالكه راوول دانينوس، في 9 مارس 1964، عن طريق الشركة التونسية للبنك، وبين المستثمر الأجنبي الذي ساهم في الترفيع في رأس مال البنك الفرنسي التونسي بنسبة 50 بالمائة فترة إدارة منصور معلّى، وزير المالية والتخطيط في حكومة محمّد مزالي، لن تحتاج إلى مزيد الحبك الدرامي لبناء قصّتك الاستقصائية. فقد وفّر تشابك المصالح بين مختلف شخصيّات القصّة وتقلّب أدوارها الوظيفيّة طوال فترات النزاع، على الباحث المتقصّي عناء التشبيك والتخيّل الدراميين. ففيما كان عبد المجيد بودن، محامي الأعمال التونسي المقيم بباريس وشريك بندر بن خالد في الشركة "اللغز"، ينُطّ بمقرّات الشركة بين جزر الملاذات الضريبية الآمنة منذ تأسيسها، بدءا بجزر الكايمان، إقليم ما وراء البحار البريطانية في غرب البحر الكاريبي، سنة 1982، مرورا بجزر الأنتيل الهولندية سنة 2003 ووصولا إلى إقليم جبل طارق الواقع في جنوب شبه جزيرة إيبيريا، قذفت رياح ديسمبر العاتية بمن كانوا محامين في ملف النزاع أو حتى مجرّد شهود قبل الثورة إلى دفّة المسؤولية واتخاذ القرار في أعلى هرم السلطة، فانبرت مسارات الصلح تتقاذفها لعبة المصالح الذاتية والقطاعيّة. وممّا زاد في دراميّة القصّة وتعقيداتها تحوّل رفقاء الأمس لعبد المجيد بودن في معاداة نظام بن علي في المهجر، خصوما جُددا على بساط الدّولة واستحقاقاتها.
رغبة منّا في كشف خبايا ملف النزاع ألتحكيمي الذي باشره المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار منذ أفريل 2004، وكي نطوّح ببحثنا بعيدا عن لهفة تكديس حزم الوثائق المسرّبة، لم يكن ليثنينا قرار السيّد قاضي التحقيق بالمكتب 22 بالمحكمة الابتدائية بتونس الذي منعنا من مناقشة ملف النزاع المذكور إعلاميا، حين بدأنا إثارته تلفزيّا سنة 2015 من خلال برنامج "بالمرصاد" على فضائية الزيتونة. وكان علينا انتظار صدور قرار ختم البحث في الملف القضائي سنة 2019 كي نتقدّم بمشروع فيلم استقصائي إلى قناة الجزيرة الإخباريّة عبر شركة الإنتاج التونسية FOLK STORIES COMPANY، التي كان لنا شرف التعاون معها في إنتاج مادّة فيلميّة مهنيّة نجحت في إنارة الرأي العام العربي حول قضيّة القرن في تونس. بيد أنّ الاشتراطات التقنية للمعالجة الفيلمية فرضت عدم الخوض في تفاصيل قدّرنا حاجة القارئ إليها، وهو ما دفعنا إلى كتابة القصة الاستقصائية حفظا لتفاصيل اجتهدنا في إثباتها. وكان لافتا بعد سنوات البحث هذه أنّ يخلص البحث إلى أن منظومة الفساد زمن بن علي لم تكن سوى الوجه المكشوف لنفوذ "دولة" الإدارة وجبروتها، المفضي إلى استدامة النّزاع.
فبعد طلب صندوق النقد الدولي FMI إجراء تدقيق معمّق على حسابات البنوك العمومية الثلاثة في أوت 2012، تمهيدا لعملية رسملتها، نجحت لوبيّات الإدارة في استثناء البنك الفرنسي التونسي من منظار هذه العملية الرقابية، بالرغم من أن الشركة التونسية للبنك تملك غالبية أسهمه. ويكفي التذكير في هذا المقام بعجز الوزراء المتعاقبين قبل الثورة وبعدها عن إنجاز مهمّة رقابيّة داخل البنك بواسطة الهيئة العامّة للرقابة المالية CGF إلاّ بتاريخ مارس 2016 !
حاولنا خلال هذا البحث الصحفي التقصّي في فرضيتين اثنتين: الفرضيّة الأولى هي كشف دور اللّوبيات المالية وأذرعها الإداريّة في تعطيل مسارات الصّلح التي أتيحت للدّولة وخصمها المجموعة العربيّة الدّولية للأعمال. ولعبت شخصيّة منير القليبي، الشخصيّة المفتاح في ملف النزاع المتواصل على مدى عقود ثلاثة ونيف، دورا بارزا في استدامة مناخات الشك وتغييب لغة الحوار بين المتنازعين، على وجه الخصوص فترة تمثيله للبنك المركزي في المجالس الوزارية اللاحقة للثورة وفي لجنة النزاعات وفي اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الملف وفي لجنة التفاوض. أمّا الفرضيّة الثانية فهي تعرية عدم شفافيّة المستثمر الأجنبي فيما يتعلّق بمساهميه وبفترة إدارته للبنك الفرنسي التونسي بين فيفري 1987 وجانفي 1989، وهو ما يجعله مسؤولا أوّلا عن توتير مناخ الاستثمار منذ أتيحت له فرصة إدارة البنك الفرنسي التونسي منفردا عقب جلسة فيفري 1987.
يكتسي الحفر في الأدوار المسترابة التي لعبتها شخصيّة منير القليبي، المدير العام الأسبق للشؤون القانونية بالبنك المركزي التونسي والمدير العام للبنك الفرنسي التونسي بين سنتي 2008 و2011 والمدير العام المساعد لنفس البنك بين سنتي 1995 و2008 ومدير إدارة نزاعاته بين سنتي 1991 و1995، دورا محوريّا في تعرية مدار تورّط اللوبيات المالية والسياسية النافذة التي غنمت قروضَا طائلة من البنك الفرنسي التونسي دون ضمانات دنيا، في تعطيل مسارات الصلح في النزاع الدّائر بين الدولة التونسيّة والمجموعة العربية الدولية للأعمال ABCI.
يذكر أنّ معظم القروض التي منحت دون ضمانات لا تزال في طور النزاع القضائي، بينما تحوّل جزء كبير منها إلى ديون متفحّمة، منذ تسعينيات القرن الماضي، على وجه الخصوص بين سنتي 2004 و2008. كما أنّ تعثر مسارات الصلح بدأ مع بداية الألفية الثانية، فترة حكم زين العابدين بن علي وتواصل إلى حدّ تولّي حكومتي ما بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 ("الترويكا") مقاليد الحكم، حين قرّر مجلس الوزراء برمته تعليق التفاوض مع الشركة الخصيمة، وذلك في خريف 2013.
وفيما يتعلّق بالفرضية الثانية التي يجتهد البحث في كشفها، هو تبيان عدم شفافية استثمار المجموعة العربيّة الدولية للأعمال ABCI في البنك الفرنسي التونسي، منذ تقدّم صاحبها الأمير بندر بن خالد بن عبد العزيز بطلب الشراكة إلى السلطات التونسيّة في ديسمبر 1981، وتحايل شريكه عبد المجيد بودن، مدير المجموعة إلى حدود 4 نوفمبر 1992 ومالك غالبية أسهمها، ولجوئه إلى أساليب غير شفافة خلال فترة إدارته للبنك الفرنسي التونسي بين 19 فيفري 1987 و17 جانفي 1989، فترة توليه رئاسة مجلس إدارة البنك الفرنسي التونسي في غياب تام لممثلي الدولة عن المجلس المذكور. حيث قام بودن بإيثار شركته المجموعة العربية الدولية للأعمال على حساب البنك الفرنسي التونسي و استصدر قرارا تحكيميّا من غرفة التجارة الدولية بباريس CCI، يغرّم البنك الفرنسي التونسي بتعويض فاقت قيمته 3.2 مليون دولار أمريكي في 23 جويلية 1987، ممّا ساهم في تعكير مناخ الشراكة بين المجموعة العربية الدّولية للأعمال والدولة التونسيّة.
يضمّ البحث أبوابا تسعة بوسع كلّ منها تشكيل تحقيق منفرد بذاته. وتنفتح الأبواب بداية بغوص في خلفيّات الشراكة وسياقاتها الاقتصادية والسياسيّة بداية ثمانينيات القرن الماضي والتي تزامنت مع صعود محمد مزالي إلى دفّة الحكم، محمّلا بفكرة الانفتاح على الشرق وعازما على الغرف من استثماراته العامّة والخاصّة. تزامن هوس مزالي اللامتناهي بالشرق مع عجز البنك الفرنسي التونسي عن الاكتتاب في كتلة الأسهم التي طرحتها جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 18 جوان 1981، سوف يسرّعان تورّط الدّولة في شراكة يقول عنها نور الدّين دمّق، مدير التفقّدية العامة بالبنك المركزي أواسط الثمانينيات، بأنّها كانت "شراكة شفهيّة قادت إلى ما لا يحمد عقباه"، ويوصّفها قيصر الصيّاح، المحامي والخبير القانوني، بأنّها كانت "الخديعة الكبرى".
بعد أن فرض بورقيبة ما أسماه بـ"ضرورة احترام الدّولة لتعهّداتها"، لعبت أطماع اللوبيّات الماليّة والسياسيّة الصّاعدة دورها في إتاحة الفرصة لعبد المجيد بودن، ممثل المجموعة العربيّة الدّوليّة للأعمال، كي يستأثر بإدارة البنك سنتين كاملتين ويفرض استصدار قرار تحكيمي فرنسي لا تزال تبعاته ماثلة إلى حدّ اليوم. لذلك يدقّق الباب الثاني من هذا البحث في ملابسات استيلاء بودن على رئاسة مجلس إدارة البنك الفرنسي التونسي والآثار الكارثيّة التي نجمت عن تغييب الشركة التونسية للبنك عن تسيير دواليب بنك تملك نصف كتلة أسهمه.
يكشف البابان الثالث والرّابع من البحث أدوار اللوبيّات الماليّة التي غرفت من قبل من محفظة البنك الفرنسي التونسي وكانت تظنّ أنّها ستظلّ عصيّة على المتابعة الإداريّة والمساءلة القضائيّة، في الذّهاب بالشراكة إلى حيث مربّع القطيعة. وكان لابدّ للقضاء أن يضع حدّا لإيقاف نهم بودن المبالغ فيه في إيثار مصالح مجموعته على مصالح البنك الفرنسي التونسي الذي انفرد بإدارته وتسييره سنتين كاملتين. إلاّ أنّ جموح اللوبيّات الصّاعدة التي استغلّت صعود زين العابدين بن علي إلى السّلطة، أبى إلاّ أن يفتكّ سلطة القضاء من قصر العدالة ويفرّ بها إلى قصر قرطاج، محوّلا بذلك ممثل المجموعة العربية الدّولية للأعمال من مخالف للتراتيب الصرفيّة إلى ضحيّة نموذجيّة لمعالجات أمنية بدائية يستدرّ عطف هيئات التحكيم الدّولي. وعوض نزول السلطة السياسيّة من علياء كبرها ومعالجة ملف التقاضي بما يخدم مصالح البنك ومساهميه، أطلقت العنان للوبيات الماليّة تغرف من أموال البنك بلا رقيب ولا حسيب. وحاولت جاهدة التفريط في البنك لناهبي أمواله لولا أن نجحت المجموعة العربية الدولية للأعمال في استصدار قرار تحكيمي يلزم الدّولة بإطلاع الراغبين في خصخصته على فحوى النزاع الدولي.
يبحث البابان الخامس والسادس قدرة اللوبيات المالية وأذرعها الإداريّة على فرملة كل محاولات الصلح التي أتاحتها الثورة لكلا الشريكين كي يتجاوزا جراحات الماضي ويبنيا ثقة جديدة تعود بالنفع على البنك المفلس وتفتح للمستثمر أبواب الاستثمار من جديد بعد أن عطّلتها مناخات الدكتاتوريّة من قبل.
ويأتي البحث في باقي الأبواب على خلفيّات توقف الشراكة قبل الثورة وبعدها ويفضح عدم شفافيّة المجموعة العربيّة الدّوليّة للأعمال فيما يتعلّق تركيبة مساهميها ومصادر أموالها. غياب شفافيّة أقرّ بها المركز الدّولي لتسوية نزاعات الاستثمار وفضح في المقابل تقاعس المفاوض التونسي عن إثارتها قبل إعلان قرار مسؤولية المركز المذكور في فضّ النّزاع بتاريخ 18 أكتوبر 2011.
على أهميّة الشهادات التاريخية التي اجتهد البحث الاستقصائي في توثيقها، على وجه الخصوص تلك التي تخصّ إطارات البنك الفرنسي التونسي والبنك المركزي التي عايشت بدايات النزاع وتطوّراته أواسط ثمانينيات القرن الماضي، فإنّ البحث ارتكز في مجمله على مادّة وثائقيّة ثريّة مثلت عماد الفرضيتين المعروضتين على بساط التقصّي.
ونحن نضع ثمرة بحثنا على صراط النقد والتقييم، فإنّنا نأمل أن يكون هذا العمل فاتحة انخراط جاد لعموم الزّملاء المشتغلين على قصص الاستقصاء في مجهود تأليفي جديد يتجاوز مستوى التحقيقات القصيرة، على أهمّيتها، عسانا ننجح في ضخّ روح بحثيّة وتأليفية جديدة تكون خير انطلاقة لجيل جديد من الكتابة الاستقصائية في تونس والوطن العربي.
الحسين المختار بن عمر - تونس 2021


