🎙آخر الأخبار
إعلان
حوارات

مشروع ميزانية 2027 تحت المجهر: مخاطر الاقتراض، ورهانات النمو، وتفاوتات الأرقام تطرح أسئلة حول نجاعة السياسات الاقتصادية والرقابة البرلمانية

23 أكتوبر 2026

مشروع ميزانية 2027 تحت المجهر: مخاطر الاقتراض، ورهانات النمو، وتفاوتات الأرقام تطرح أسئلة حول نجاعة السياسات الاقتصادية والرقابة البرلمانية

في ظل التحديات المالية والاقتصادية التي تواجهها تونس، وما تطرحه من أسئلة بشأن قدرة الدولة على تمويل نفقاتها وتحفيز الاستثمار وتحقيق النمو، يثير مشروع قانون المالية والميزان الاقتصادي لسنة 2027 نقاشًا يتجاوز الأرقام والمؤشرات إلى الخيارات الاقتصادية للدولة ومدى نجاعة السياسات العمومية وآليات الرقابة والمساءلة. إلى أي مدى تستند توقعات النمو إلى فرضيات إنتاجية قابلة للتحقق؟ وهل تمثل الإجراءات المعلنة في مجالات الطاقة والتشغيل وتمويل المؤسسات الصغرى تحولًا فعليًا في معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد التونسي؟ في هذا الحوار الخاص مع منصة «مسارات»، يقدم الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري قراءة نقدية لمشروع ميزانية 2027، تجمع بين التنويه ببعض الإجراءات الحكومية والتحذير من المخاطر المتعلقة بالاقتراض والسيولة والرهانات الإنتاجية. كما يتوقف عند تفاوتات في الأرقام والجداول الواردة في وثيقة الميزان الاقتصادي، ويدعو إلى مزيد من الشفافية في عرض المعطيات المالية، وإلى تطوير الرقابة البرلمانية على أساس النتائج الفعلية بدل الاكتفاء بالترخيص في الإنفاق والاقتراض.

حوار خاص مع الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري

منصة مسارات: الحسين بن عمر

مسارات: هل ترون أن توقع النمو بـ3.1% واقعي؟

عبد الباسط السماري: هو هدف ممكن، لكنه مشروط بفرضيات إنتاجية قوية. الميزان يتوقع رفع إنتاج الفسفاط من 3.4 إلى 4.2 ملايين طن، أي بزيادة تقارب 23.5%. ويتوقع ارتفاع إنتاج النفط والغاز من 2.5 إلى 3 ملايين طن مكافئ نفط، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر من 4 إلى 4.8 مليارات دينار. هذه رهانات مهمة، لكنها تأتي بعد سنوات من الصعوبات في الاستخراج والنقل والتجهيز والاستكشاف. لذلك، أطالب بمؤشرات إنجاز ربع سنوية وبسيناريو بديل. إذا تأخر مشروع، أو لم يتحقق الإنتاج المتوقع، كم سنخسر من النمو والجباية والعملة؟ وكم سترتفع حاجات التمويل؟ إنّ التخطيط الجيد يحدد كيفية التصرف إذا تعثرت الفرضيات.

مسارات: ما أبرز الإجراءات التي تستحق تنويهكم؟

عبد الباسط السماري: أبدأ بالطاقة، لأنها تمس الإنتاج والميزانية والميزان التجاري في آن واحد. تخفيض المعاليم الديوانية على الألواح الشمسية من 30% إلى 10% خطوة إيجابية. وكذلك الإعفاءات المتعلقة ببطاريات تخزين الكهرباء، وتوسيع تدخل صندوق الانتقال الطاقي.

ويتضمن الميزان استثمارات للكهرباء والغاز بنحو 2.615 مليار دينار، منها 2.2 مليار لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، مع استهداف رفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي من 12% إلى 16%. كما يتضمن برامج للطاقة الشمسية في المنشآت العمومية وللفئات محدودة الاستهلاك. وهذه توجهات نساندها وندعو إلى توسيعها وتسريعها.

مسارات: هل يمكن اعتبار ذلك استجابة كافية للأزمة الطاقية؟

عبد الباسط السماري: الاتجاه إيجابي، لكن الكفاية تُقاس بما يدخل الخدمة فعلًا، وبما يوفره من كهرباء وتخفيض للكلفة. 

يجب التفريق بين إعلان مشروع، وفتح طلب عروض، وانطلاق الأشغال، ودخول المحطة مرحلة الإنتاج. لا يجوز احتساب هذه المراحل باعتبارها نتيجة واحدة. وفي التخزين، يجب استكمال القدرة بالميغاواط بسعة التخزين بالميغاواط ساعة ومدة التفريغ، حتى نعرف حجم المساهمة الفعلية في تغطية الذروة. وأكرر هنا قناعتي: السيادة تبدأ من القدرة على توفير طاقة منتظمة وبكلفة تدعم الإنتاج.

مسارات: ماذا عن إجراءات تمويل المؤسسات الصغرى والتشغيل؟

عبد الباسط السماري: هناك إجراءات جيدة: إعفاء المؤسسات الجديدة المؤهلة من الضريبة لأربع سنوات وفق الشروط والاستثناءات، والتكفل التدريجي بالمساهمات الاجتماعية، ودعم التمويل الذاتي ورأس المال المتداول، وتحسين المعاملة الجبائية للإيجار المالي.

لكن عددًا من خطوط التمويل يبلغ خمسة أو عشرة ملايين دينار، وبعضها يغطي سنتين. أهميتها للمستفيدين واضحة، لكن مساهمتها في القفزة الاستثمارية الوطنية تحتاج إلى تقييم.

ما يهمني هو عدد المؤسسات التي تحصلت فعلًا على التمويل، واستمرت، وأنتجت، وأحدثت مواطن شغل مستدامة. ويجب تطبيق المعايير نفسها على الشركات الأهلية والمؤسسات الخاصة: النجاعة، والشفافية، واستدامة النشاط، والنتيجة الاقتصادية والاجتماعية.

مسارات: المشروع يعالج أيضًا ديونًا متقاطعة بين مؤسسات عمومية. هل هذه بداية إصلاح؟

عبد الباسط السماري: يمكن أن تكون خطوة مفيدة. المقاصة وتسوية الديون وإعادة الرسملة قد تخفف اختناقًا ماليًا يعطل المؤسسات والصناديق والخزينة. لكنها لا تخلق وحدها سيولة جديدة أو إنتاجية أعلى.

إذا سوّينا ديون مؤسسة دون معالجة أسباب خسائرها، فقد نجد أنفسنا أمام المتخلدات نفسها بعد سنوات. لذلك يجب إرفاق التسويات بعقود أهداف وخطط تشغيل واستثمار ومؤشرات أداء منشورة.

كما يجب عرض المخاطر المرتبطة بضمانات الدولة. فسقف الضمان المرخص به، البالغ تسعة مليارات دينار، ليس نفقة مؤكدة بالكامل، لكنه التزام محتمل يستحق الشفافية.

مسارات: هل من تحفظات تخص الميزان الاقتصادي. ما أهمها؟

عبد الباسط السماري: هناك أمثلة تستوجب التصحيح. في لوحة المؤشرات بالصفحة العاشرة، وُضعت نسبتا 3.9% و3.7% تحت تسمية «العجز التجاري»، بينما يوضح المتن أنهما تخصان العجز الجاري. والفرق بين المؤشرين أساسي.

كما تختلف أرقام إنتاج التمور لسنة 2026 بين صفحتين: 420 ألف طن في موضع، و404 آلاف طن في موضع آخر.

أما جدول الموارد والاستعمالات بالصفحة 303، فلا تتيح بنوده المعروضة وحدها إعادة تكوين الناتج المعلن؛ إذ يظهر لسنة 2027 فارق يقارب 11.05 مليار دينار عند تطبيق العلاقة المحاسبية المعتادة.

قد يكون ذلك مرتبطًا بتغير المخزون أو بتعديلات غير معروضة. لا أجزم بأن الناتج خاطئ، لكن الجدول يحتاج إلى استكمال وتفسير. الوثيقة التي يُبنى عليها القرار يجب أن تسمح بتدقيق حساباتها.

مسارات: سبق أن حذّرتم من احتمال تجاوز عجز 2026 ستة عشر مليار دينار. هل تؤكد الوثيقتان هذا التقدير؟

عبد الباسط السماري: لا، والموضوعية تفرض أن أقول ذلك بوضوح. الميزان يقرّ بتخفيض النمو المتوقع من 3.3% إلى 2.7%، والاستثمار من 16% إلى 15.5% من الناتج، وبضغوط إضافية مرتبطة بالطاقة والدعم. لكنه يتوقع عجزًا دون الهبات والمصادرة في حدود 6% من الناتج لسنة 2026. لذلك يظل تقدير تجاوز 16 مليار دينار تقديرًا يحتاج إلى إثبات بنتائج تنفيذ محيّنة وبيانات المتخلدات والالتزامات. مسؤوليتي أن أميز بين تحذيري وبين النتيجة المثبتة. والحكومة مطالبة بنشر البيانات التي تسمح بتقييم الأمر.

مسارات: ما الذي تطلبونه من النواب قبل المصادقة؟

عبد الباسط السماري: أطلب منهم تحويل النقاش إلى مساءلة قابلة للقياس. أن يطالبوا بنسخة موحدة للأرقام، ونتائج تنفيذ محيّنة لسنة 2026، وجدول يربط أهداف الاستثمار بمصادر تمويلها ومشاريعها، وسيناريو بديل للطاقة والنمو، وتقييم منشور للحوافز وتسويات ديون المنشآت العمومية. وأن يثبتوا التزامات واضحة للنشر والمتابعة خلال السنة. الترخيص بالإنفاق والاقتراض مسؤولية، ويجب أن تقابله القدرة على مراقبة النتائج.

مسارات: الرسالة التي تختمون بها هذا الحوار؟

عبد الباسط السماري: أقول للحكومة: سندعم الإجراءات التي تخفض كلفة الإنتاج، وتؤمّن الطاقة والمياه، وتيسّر الاستثمار، وتحمي الفئات الهشة. وسنطالبكم بإثبات نتائجها.

تونس تحتاج ميزانية يعرف المواطن من خلالها ما الذي سيتحسن، ومتى، وبأي كلفة، ومن المسؤول عن الإنجاز. كل مليار يُعبّأ باسم التونسيين يجب أن تكون له غاية واضحة، ونتيجة قابلة للقياس، ومسؤولية قابلة للمساءلة.


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر