مسارات - هيئة التحرير
نشرت الصفحة الرسمية للسياسي التونسي عبد الحميد الجلاصي على فيسبوك رسالة له من سجن المرناقية، مؤرخة في 14 أوت 2026، وجّه فيها حديثه إلى كل من راشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي، محذرًا من المخاطر التي قد تتهدد السجناء السياسيين المتقدمين في السن، ومعبّرًا عن خشيته من تدهور أوضاعهم الصحية ومن تداعيات استمرار بقائهم في السجن.
واستهل الجلاصي رسالته باستحضار مقطع من رواية «الساعة الخامسة والعشرون» لفيرجيل جيورجيو، يتحدث فيه أحد شخصيات الرواية عن أمنيته في الخروج من المعتقل ولو ساعة واحدة قبل موته حتى يموت حرًا، قبل أن يتوقف عند ما وصفه بقسوة حرمان الإنسان من توديع أحبائه والنظر في عيونهم وسماع كلماتهم الأخيرة.
«الإعدام بطريقة ناعمة».. تحذير من أوضاع كبار السن في السجون
وقارن الجلاصي بين المساجين السياسيين خلال عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وبين عدد من المسجونين اليوم، معتبرًا أن من تعرضوا للسجن سابقًا كانوا في معظمهم شبابًا أو متوسطي العمر، في حين أن عددًا من السجناء الحاليين تجاوزوا الستين، وبعضهم الثمانين، فضلًا عما يعانونه من أمراض.
ووصف الجلاصي الأحكام الطويلة الصادرة بحق شخصيات متقدمة في السن بأنها، من وجهة نظره، أشبه بـ**«تنفيذ عقوبة الإعدام بطريقة ناعمة»**، متسائلًا عن معنى تعدد القضايا والأحكام بعشرات السنين بحق أشخاص تجاوز بعضهم الثمانين عامًا، وما يرافق ذلك، وفق رسالته، من تشتيت للعائلات وحرمان السجناء من لقاء أبنائهم وبناتهم وأحفادهم.
وشدد على أن الموت يبقى «علمًا في الغيب»، لكنه اعتبر أن تقدم العمر والأوضاع الصحية يجعلان المخاطر أكبر بالنسبة إلى عدد من المساجين.
«قريبًا تسمعون أخبارًا سيئة».. رسالة إلى الغنوشي والشابي
وفي أبرز مقاطع الرسالة وأكثرها تحذيرًا، كتب الجلاصي من داخل السجن: «قريبًا تسمعون أخبارًا سيئة في السجون، قريبًا يغادرنا بعض أحبابنا»، معربًا عن خشيته من أن تؤدي أوضاع الاحتجاز وتقدم أعمار بعض السجناء إلى عواقب خطيرة.
وخصّ الجلاصي راشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي بالاسم، مشيرًا إلى معرفته الطويلة بهما، وقال إنهما كانا يدركان، عند معارضتهما لمسار 25 جويلية، ما يمكن أن يترتب عن مواقفهما.
واعتبر أن المسألة، من وجهة نظره، لم تعد تتعلق بالغنوشي والشابي وحدهما، وإنما بمسؤولية سياسية وأخلاقية أوسع، منتقدًا ما وصفه بالصمت أو التجاهل تجاه ما يجري داخل السجون.
كما حمّل الجلاصي رأس السلطة وأدواتها، وخاصة القضاء، المسؤولية عما وصفه بالوضع القائم، ووجّه انتقادات إلى سياسيين قال إنهم راهنوا على السلطة وتخلوا عن شركائهم السابقين، معتبرًا أن الأزمة السياسية أحدثت «صدعًا كبيرًا» داخل الجسم الاجتماعي والسياسي التونسي ستكون له آثار طويلة.
وحذر من أن حصول ما يخشاه بالنسبة إلى السجناء المتقدمين في السن قد يتحول، بحسب تعبيره، إلى «وصمة» و«زلزال» تتجاوز أصداؤه الداخل التونسي.
واختتم الجلاصي رسالته مخاطبًا الغنوشي والشابي بالقول: «كنتما عظيمين وستبقيان كذلك»، داعيًا الله أن يحفظهما، وموقعًا رسالته بعبارة: «تلميذكما ورفيقكما | عبد الحميد الجلاصي».
الجلاصي.. من قيادي سابق في النهضة إلى محكوم في «قضية التآمر»
ويُعد عبد الحميد الجلاصي من القيادات السابقة في حركة النهضة قبل استقالته منها، وقد أوقف في 11 فيفري 2023 ضمن حملة إيقافات شملت عددًا من السياسيين والشخصيات العامة، وأُدرج في القضية المعروفة إعلاميًا بـ**«التآمر على أمن الدولة»**.
وفي أفريل 2025، قضت المحكمة ابتدائيًا بسجن الجلاصي 13 عامًا ضمن القضية، قبل أن تخفض محكمة الاستئناف العقوبة في نوفمبر 2025 إلى 10 سنوات سجن مع خمس سنوات من المراقبة الإدارية.
وتعلقت القضية باتهامات شملت، وفق ما نُشر عن ملفها، التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي واتهامات أخرى مرتبطة بالوفاق وجرائم ذات صبغة إرهابية. وقد أثارت القضية ومسار محاكمة المتهمين جدلًا سياسيًا وحقوقيًا واسعًا، فيما اعترضت هيئة الدفاع، خلال الطور الاستئنافي، على المحاكمة عن بُعد وعلى عدد من إجراءاتها.
وتكتسب رسالة الجلاصي دلالتها أيضًا من كونها صادرة من داخل السجن وبعد أكثر من ثلاث سنوات على إيقافه، فيما يركز جانب كبير منها على أوضاع السجناء المتقدمين في السن وما يعتبره صاحبها مخاطر مترتبة على استمرار سجنهم.


