مسارات- اسطنبول : حوار الحسين المختار بن عمر
تقديم مسارات
جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وفق ما يناقشه هذا الحوار، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لتفتح أسئلة تتجاوز مضمونها الدفاعي المباشر إلى مستقبل منظومة الأمن في الشرق الأوسط، وحدود الاعتماد على المظلة الأمريكية، وإمكان تشكّل توازنات وتحالفات جديدة تقودها قوى إقليمية.
في هذا السياق، تحاور «مسارات» حصريًا الدكتور فرج معتوق، أستاذ التعليم العالي المختص في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة وتاريخ الحضارة الإسلامية بجامعتي تونس 1 وباريس 7، حول الدلالات التاريخية والجيوسياسية للاتفاقية، وإمكان تحولها إلى آلية جديدة للردع، ومدى وجاهة تشبيهها بـ«ناتو إسلامي»، والفوارق بينها وبين تجربة حلف بغداد، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على حسابات إسرائيل وإيران والهند والولايات المتحدة، وموقع المغرب العربي من التحولات المتسارعة في المنطقة.
ويرى د. معتوق أن الاتفاقية، رغم غياب هيكل عسكري مندمج شبيه بالناتو، تجمع عناصر قوة مهمة: الإمكانات المالية والاقتصادية السعودية، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، والثقل العسكري والتكنولوجي التركي. لكنه يضع مستقبلها أمام أسئلة تتعلق بقدرتها على الصمود والتوسع، وبمواقف القوى الإقليمية والدولية المناوئة لها.
مسارات: بداية، في أي سياق إقليمي واستراتيجي تضعون توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان؟ وما الذي دفع هذه الدول إلى هذا الخيار في هذا التوقيت تحديدًا؟
د. فرج معتوق: تم توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا في السابع من أوت/أغسطس 2026، وقد جاء توقيعها في سياق تاريخي يتسم بتوتر كبير في منطقة الشرق الأوسط، على إثر الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية بمعية إسرائيل ضد إيران في 12 جانفي/يناير 2026.
وجاء الرد الإيراني بهجمات عسكرية بالصواريخ والمسيّرات استهدفت الداخل الإسرائيلي، كما استهدفت القواعد الأمريكية في بلدان الخليج العربي والأردن والعراق.
وقد بيّنت هذه الضربات القادمة من طهران، بصورة ملموسة، حالة الانكشاف العربي عمومًا والخليجي خصوصًا؛ إذ شعرت بلدان مجلس التعاون الخليجي بأن أراضيها وأجواءها مكشوفة أمام الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وأن الأموال التي أنفقتها على شراء الأسلحة الأمريكية، إلى جانب القواعد والتسهيلات الاستراتيجية التي منحتها لواشنطن وحلفائها الغربيين، لم توفر لها الحماية التي كانت تتوقعها لأنظمتها وشعوبها وبناها التحتية الحساسة.
وفتحت هذه الحرب جدلًا واسعًا في مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وأثارت حيرة وتساؤلات داخل الرأي العام الخليجي بشأن مدى جدوى ومصداقية السياسات الأمنية والاستراتيجية التي انتهجتها أنظمة دول الخليج، فرادى وجماعات، طوال عقود طويلة.
مسارات: مبدأ اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الجميع أعاد إلى الأذهان المادة الخامسة من ميثاق الناتو. هل نحن فعلًا أمام نواة لـ«ناتو إسلامي»، أم أن التشبيه يذهب أبعد مما تسمح به طبيعة الاتفاقية؟
د. فرج معتوق: لعل أهم ما جاءت به هذه الاتفاقية هو مبدأ الدفاع المشترك بين الأطراف الثلاثة الموقعة عليها، إذ تعتبر أن أي اعتداء مسلح على أحد هذه البلدان هو اعتداء على الجميع.
وتذكرنا هذه النقطة بالبند الخامس لاتفاقية حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى إيجاد وجه شبه والقول إن اتفاقية مكة 2026 هي، إلى حد ما، «ناتو إسلامي».
لكن لا بد من الإقرار بأن المقارنة تقف عند هذا الحد. فاتفاقية مكة للدفاع المشترك ليس لها، حتى الآن على الأقل، هيكل عسكري مندمج تشرف عليه وتديره قيادة أركان دائمة، ولا جهاز يضطلع بتنفيذ مهمات عسكرية محددة شبيهة بتلك التي نراها لدى الناتو.
وفي المقابل، يمكن القول إن الاتفاقية تشكل آلية جديدة للردع والتعاون الاستراتيجي بين الدول الموقعة. كما أن أهميتها تكمن في قوتها الكامنة، إذا كُتب لها أن تصمد وتُفعّل وتتطور في قادم الأيام.
فهي تجمع بين عدة نقاط قوة لدى القوى الإقليمية الثلاث: القوة المالية والاقتصادية للمملكة العربية السعودية، والقدرات العسكرية والنووية لباكستان، والتطور التكنولوجي والعسكري لتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
مسارات: لكن الاتفاقية وُلدت في ظرف استثنائي. هل يمكن أن تتحول إلى تحالف دائم وتتوسع نحو دول أخرى، أم أن تناقض مصالح أعضائها قد يحد من قدرتها على الاستمرار؟
د. فرج معتوق: نظرًا للطابع المفاجئ لهذا الاتفاق، ولكونه ولد في ظروف استثنائية قصوى من التوتر بالمنطقة، يحق لنا أن نتساءل عن مدى قدرته على الصمود خلال الأشهر والسنوات القادمة.
وهل سيشكل تحولًا استراتيجيًا وتُكتب له الديمومة في منطقة الشرق الأوسط التي لم تعرف طعم الاستقرار منذ ما يزيد على قرن؟ وهل سيكون قادرًا على التطور ليشمل بلدانًا أخرى، مثل مصر التي يجري الحديث عنها مثلًا؟
أم أنه سيفشل أمام تناقضات الهواجس والمصالح بين الأطراف الموقعة أصلًا، وأمام التحديات الجيوسياسية والقوى المناوئة، وفي مقدمتها إسرائيل، فضلًا عن إيران والهند، وحتى بعض الدول العربية الخليجية المنخرطة بحماسة مفرطة في اتفاقات أبراهام؟
مسارات: بوصفكم باحثًا في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، هل تعيد اتفاقية مكة إلى الأذهان تجربة حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي؟ وأين تنتهي أوجه التشابه بين التجربتين؟
د. فرج معتوق: قد يتبادر إلى ذهن بعض المراقبين وجود نوع من التشابه بين اتفاقية مكة 2026 وحلف بغداد في منتصف خمسينيات القرن العشرين. لكن، باستثناء الظرف المكاني المتمثل في منطقة الشرق الأوسط، فإنه لا وجه للمقارنة بين الاتفاقيتين.
فالظرف الزمني ليس نفسه، والمخرجات ليست نفسها، والأهداف مختلفة، بل حتى الأطراف مختلفة في معظمها إذا استثنينا باكستان وتركيا.
فاتفاقية منظمة الشرق الأوسط، التي عرفت لاحقًا بحلف بغداد، وقعتها مملكة العراق آنذاك إلى جانب تركيا وباكستان وإيران والمملكة المتحدة. وقد تم ذلك في 24 فيفري/فبراير 1955، ثم التحقت الولايات المتحدة باللجنة العسكرية في صلب الحلف سنة 1958، باعتبارها الممول الرئيسي لتسليحه.
وكان الهدف الحقيقي الأول والأخير لهذا الحلف فرض سياسة «الاحتواء» ضد التمدد الشيوعي في العالم. فالهاجس الرئيسي الذي حكم سياسات الأنجلوسكسون، في لندن كما في واشنطن، طوال فترة الحرب الباردة، كان احتواء الاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط.
وفي عام 1959 تغير اسم الحلف ليصبح «منظمة الحلف المركزي – CENTO»، بعد تحول استراتيجي تمثل في انسحاب العراق، العضو المؤسس، في 24 مارس/آذار 1959.
وكان هذا الحلف مرفوضًا من شعوب المنطقة، وخاصة من نظامي مصر عبد الناصر وسوريا، اللذين كانا يقودان حركة التحرر العربي في المشرق. وفي ظل انتشار ثقافة عدم الانحياز والحياد الإيجابي، كان يُنظر إلى حلف بغداد باعتباره حلفًا إمبرياليًا معاديًا لطموحات شعوب المنطقة في التحرر والتنمية والتقدم، بينما كان يُنظر إلى الاتحاد السوفييتي باعتباره حليفًا موضوعيًا.
وتعزز هذا المزاج السياسي بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، ثم بعد ثورة 14 جويلية/يوليو 1958 في العراق التي أطاحت بالنظام الملكي وأعلنت الجمهورية ووضعت حدًا للتحالف الوثيق مع المملكة المتحدة.
لذلك، فالفرق كبير بين الحلفين. اتفاقية مكة 2026 هي، في تقديري، اتفاقية دفاعية صدرت عن حاجة ملحّة لقوى إقليمية تستشعر خطرًا حقيقيًا يستهدف أمنها وسيادتها، بينما كان حلف بغداد 1955 نتاجًا للخطط الإمبريالية البريطانية والأمريكية التي استهدفت حركة التحرر العربي وحركة عدم الانحياز والاتحاد السوفييتي في آن واحد.
مسارات: الاتفاقية تعرّف نفسها بأنها دفاعية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: دفاعية ضد من؟ وهل إسرائيل وإيران هما الطرفان الأكثر حضورًا في خلفية هذه المعادلة؟
د. فرج معتوق: تحمل اتفاقية مكة للدفاع المشترك شيئًا من الغموض والمسكوت عنه. صحيح أنها تعرّف نفسها باعتبارها اتفاقية دفاعية. لكن دفاعية ضد من؟ ومن هم الأعداء المتوقعون؟
لا نحتاج إلى ذكاء خارق حتى نفهم أن إسرائيل هي أول المعنيين. لكن ماذا عن إيران التي أمطرت أراضي دول الخليج العربي بصواريخها ومسيّراتها خلال هذه الحرب؟
حجة إيران جاهزة في هذا الصدد. فهي تبرر هجماتها بأنها تقوم بالدفاع عن النفس، وهو دفاع تقول طهران إنه مكفول لها وفق الأعراف والمواثيق الدولية. وبالتالي فهي، وفق روايتها، لا تفعل سوى ضرب القواعد الأمريكية الموجودة في تلك البلدان، والتي توفر الوقود والتغطية اللوجستية لآلة الحرب الأمريكية، مع تأكيدها دائمًا أن بلدان الخليج العربي بلدان شقيقة وجارة.
أما تركيا وإيران، وهما قوتان إقليميتان، فقد نجحتا حتى الآن في تصريف خلافاتهما بكثير من الحنكة والواقعية السياسية، رغم أنها خلافات حقيقية.
ولعل توازن القوة بين هاتين القوتين الجارتين، وقناعة العقل السياسي الذي يقود السلطة فيهما بأن حساب الخسارة أكبر بكثير من حساب الربح، هما اللذان يرجحان الحكمة التي تمنع نشوب الحرب بين تركيا وإيران.
وهذان العاملان، أي توازن القوة وحكمة واستقلالية القرار السياسي، لا يتوفران بالقدر نفسه لدى بلدان الجوار العربي.
مسارات: ماذا تضيف كل من تركيا وباكستان إلى السعودية؟ وهل يمكن القول إننا أمام معادلة ردع جديدة تجاه إيران؟
د. فرج معتوق: يمكن القول إن المملكة العربية السعودية، التي تحاشت حتى اليوم أي مواجهة عسكرية مباشرة ضد إيران، تضمن من خلال هذه الاتفاقية المشتركة التزامًا إلى جانبها بحضور عسكري لكل من باكستان وتركيا.
فالأولى تمثل ثقلًا عسكريًا مهمًا، وخاصة بقدراتها النووية، فيما تساهم تركيا بجيش ضخم وصناعة دفاعية متطورة، فضلًا عن عضويتها في حلف الناتو.
ولا نفهم من ذلك أبدًا أن هذا الحلف الثلاثي الوليد موجه ضد إيران، إذ يؤكد الجميع أنه اتفاق دفاعي. لكن مع ذلك، سيتوجب على إيران من الآن فصاعدًا أن تأخذ في حسبانها أنها، مع أية مجازفة ضد المملكة السعودية، قد تجد نفسها في مواجهة ثلاث قوى مجتمعة.
مسارات: وماذا عن إسرائيل؟ كيف يمكن أن تؤثر الاتفاقية في حساباتها الاستراتيجية؟
د. فرج معتوق: الأمر نفسه يمكن أن يقال بالنسبة إلى إسرائيل. فاتفاقية مكة لا تصنفها كخصم اسميًا، لكن بروز هذا المحور المسلم السني يعقّد الحسابات الإسرائيلية.
تركيا تمتلك صناعة حربية مهمة، وخاصة قدرات متطورة في صناعة المسيّرات، وباكستان تمتلك قوات مسلحة بالغة الأهمية يضاف إليها السلاح النووي، أما المملكة العربية السعودية فتمتلك قدرات مالية هائلة.
ومن هنا تبرز أهمية الاتفاقية، ليس فقط في نصوصها الحالية، وإنما في القوة التي يمكن أن تكتسبها إذا تطورت مستقبلًا.
مسارات: هل تحمل اتفاقية مكة رسالة إلى الولايات المتحدة أيضًا؟ وهل نحن أمام بداية تراجع للاعتماد الخليجي الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية؟
د. فرج معتوق: مما لا شك فيه أننا أمام متغير استراتيجي مفصلي. فالقوى الإسلامية الثلاث المعنية بهذا التحالف تبعث برسالة واضحة إلى كل من يهمه الأمر، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة.
لقد استند أمن الخليج وتأمين مصادر النفط والغاز طوال عقود عديدة إلى الضمانات التي تقدمها واشنطن من خلال وجود قواعدها العسكرية. لكن يبدو أن الأمور مقبلة على متغيرات عميقة.
فقد استخلصت الأطراف الخليجية العبرة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وفهمت أن القواعد الأمريكية لا تحميها بالضرورة ضد الهجمات الإيرانية.
كما اكتشف الأمريكيون أن الحرب غير المتكافئة ضد إيران، التي يُفترض أنها الطرف الأضعف في المواجهة، مكلفة جدًا ماليًا وسياسيًا وحتى عسكريًا.
وبالتالي بدأ أصحاب القرار في البيت الأبيض يتحدثون عن آفاق لخفض الوجود في منطقة الخليج، وأعينهم على بحر الصين. وبطبيعة الحال، لا يأتي هذا التغير الاستراتيجي في سياسة الانتشار الأمريكي حول العالم بين عشية وضحاها، لكن لكل شيء بداية.
مسارات: باكستان أحد أضلاع الاتفاقية الثلاثة، وهذا يضع الهند بدورها في دائرة الحسابات. كيف ستنظر نيودلهي إلى التحالف الجديد؟
د. فرج معتوق: ماذا عن الهند؟ الهند التي تعيش حالة عداء وصراع مستمر مع باكستان، في كشمير وغير كشمير، منذ عقود طويلة.
كيف سيكون تصرف المملكة العربية السعودية وتركيا في حال شنت الهند هجومًا واسع النطاق على باكستان؟
ولا ننسى التحالف العلني والتنسيق الوثيق والتعاون التكنولوجي ومبيعات الأسلحة بين الهند وإسرائيل. وهذا يعني أن الهند معنية، ولو بدرجة أقل من تل أبيب، بهذه الاتفاقية.
وهي بعيدة عن أن تكون مرحبة باتفاقية ثلاثية تجمع عدوها التقليدي، إسلام آباد، مع أنقرة العضو في حلف الناتو، والرياض بما تمثله من قوة نفطية ومالية واقتصادية وروحية كبرى، لاحتضانها المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة.
ومن الطبيعي أن ترى نيودلهي في هذه الاتفاقية سندًا إضافيًا لباكستان وتعزيزًا لمكانتها، وهو ما قد يمثل مصدر قلق لنظام مودي في الهند، في ظل علاقاته الوثيقة بالحكومة الإسرائيلية.
مسارات: وسط هذه التحولات في الخليج والمشرق، أين يقف المغرب العربي؟ وهل يبدو بعيدًا عن عملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؟
د. فرج معتوق: أما عن بلاد المغرب العربي فلا تسأل. فهي تنظر إلى ما يحصل في بلاد الخليج والمشرق العربيين وكأنه يجري على كوكب آخر.
لقد تعاظمت الشحناء وبلغ التنافس المحموم بين النظامين السياسيين في المغرب والجزائر ذروته، وأصبح المحدد الأساسي لصياغة جانب من المواقف والسياسات تجاه هذا الطرف أو ذاك، في الرباط أو الجزائر، خاضعًا لمدى القرب أو البعد من البلد الخصم.
وبهذا الغلو في معاداة البلد الجار، يُزج بنحو 85 مليونًا من العرب والأمازيغ المسلمين، الأشقاء والمتجاورين منذ آلاف السنين، في أتون التناحر والبغضاء، فيما ظلت الحدود مغلقة بين البلدين الجارين منذ ما يزيد على ربع قرن.
أما تونس فهي منشغلة عن أخبار الأشقاء وعما يحصل من متغيرات جيوسياسية كبرى في محيطها الحيوي المباشر بشجونها السياسية والاقتصادية والطاقية، وبغلاء المعيشة وانقطاع الماء والكهرباء بين الحين والآخر في عز الصيف.
وليبيا ليست أحسن حالًا؛ فهي لا تزال تبحث عن النور في آخر النفق للخروج من أزمتها السياسية، رغم أنها تعوم فوق بحر من النفط. ويتساءل الليبيون، في تندر مر، عن مزايا هذه المادة الأحفورية العجيبة، وعما إذا كانت نعمة أم نقمة على الشعب الليبي.
وحتى لا ننسى موريتانيا، الواقعة في أقصى الغرب الإسلامي والمغرب العربي الكبير، فهي بعيدة نسبيًا عن قعقعة السلاح في الخليج والحسابات الجيوسياسية والشحناء المغاربية، محتفظة بخصوصيتها الثقافية وموقعها المتفرد في مواجهة المحيط الأطلسي.
مسارات: في ضوء كل هذه المعطيات، أي مستقبل تتوقعونه لاتفاقية مكة؟ هل ستصمد وتتطور وتتوسع، أم أنها قد تتراجع بتغير الظروف التي أنتجتها؟
د. فرج معتوق: هذا هو السؤال الأساسي: ماذا ينتظر هذه الاتفاقية في قادم الأيام؟ هل ستصمد وتتطور وتتوسع، أم ستنكفئ وتضمر وتتلاشى؟
أعتقد أن مستقبل اتفاقية مكة للدفاع المشترك مرتبط بأمرين متناقضين: الأول هو مدى عزم وتصميم الأطراف الموقعة على إنجاح خطتها، والثاني مدى قدرة الأطراف المناوئة، إسرائيل والهند وبدرجة أقل إيران، على محاصرة الاتفاقية والتشويش عليها والالتفاف حولها.
وفي كلتا الحالتين سيكون للولايات المتحدة الأمريكية دور في ترجيح الكفة لفائدة هذا الطرف أو ذاك.
وما يجب ملاحظته أيضًا هو أن المملكة العربية السعودية وتركيا تربطهما علاقات أمنية وثيقة بواشنطن. لكن من الواضح اليوم، وعلى ضوء المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أن السعودية ترغب في إثراء وتنويع ضماناتها الأمنية.
كما أن الاتفاقية باحت بحقيقة مفادها أن القوى الإقليمية الموقعة ترغب، في هذه اللحظة التاريخية، في أن تصبح أكثر قدرة على تولي مهمة الدفاع عن نفسها دون أن تبقى مرتبطة حصريًا بالولايات المتحدة الأمريكية.
هل يعني ذلك أن الرياض وأنقرة ستتخليان عن تحالفهما مع واشنطن غدًا صباحًا؟ هذا مستبعد جدًا، لأن تشابك المصالح والتعاون المتبادل بين القوتين الإقليميتين وواشنطن بلغ درجة من التعقيد والكثافة والقدم تجعل أي قطيعة كلية في المستقبل المنظور شبه مستحيلة.
وهل سيكون ذلك مرضيًا لواشنطن ولن يثير حفيظتها تجاه اتفاقية مكة؟ ربما، ولكن بشرط ألا ينجح نتنياهو أو منظمة إيباك أو كلاهما معا، في إيغار صدر دونالد ترمب وتغيير موقفه ضد اتفاقية مكة للدفاع المشترك.


