مسارات - هيئة التحرير
دعا أيمن العلوي، القيادي في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، إلى مراجعة عميقة لتجربة اليسار التونسي وأدوات عمله وخطابه، معتبرًا أن التنظيمات اليسارية القائمة مطالبة بالاعتراف بحجم تراجعها وفقدانها القدرة على التأثير الجماهيري، والانطلاق نحو بناء قوة سياسية جديدة أكثر ارتباطًا بالواقع الاجتماعي.
وجاء موقف العلوي في نص مطول نشره تفاعلًا مع النقاش الدائر حول أزمة اليسار، استهله بالعودة إلى انهيار تجربة الجبهة الشعبية، معتبرًا أن ذلك أحدث «فراغًا سياسيًا ونفسيًا عميقًا» داخل اليسار التونسي، تعمق، بحسب تقديره، مع دخول البلاد ما وصفها بـ«الحقبة الشعبوية» وما رافقها من تشتت وإعادة تموقع للقوى السياسية.
يسار بين «الحقبة الشعبوية» واستعادة الماضي
وانتقد القيادي في الوطد الموحّد ما اعتبره انشغالًا مفرطًا لدى جزء من اليسار بمعارك الماضي واستعادة الخلافات والتجارب القديمة، مشددًا على أهمية الذاكرة السياسية في فهم المسار، لكنه حذّر من تحولها إلى بديل عن الفعل السياسي، قائلاً إن التنظيم الذي «يعيش داخل تاريخه أكثر مما يعيش داخل مجتمعه» يتحول تدريجيًا إلى «جماعة أرشيفية».
بين «اليسار الوظيفي» والخطاب الثوري غير القابل للتحقق
ووجّه العلوي نقده في اتجاهين؛ الأول إلى ما سماه «اليسار الوظيفي والانتهازي والواقعي»، الذي اعتبر أنه أفرغ الفكرة اليسارية من جاذبيتها من خلال المساومة أو البحث عن موقع داخل منظومة السلطة وتبرير التراجع باسم الواقعية.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل، وفق قراءته، في الخطاب اليساري الذي يرفع شعارات الثورة الشاملة وإسقاط الرأسمالية دون ربطها بالظروف التاريخية والمادية وموازين القوى والقدرة الفعلية على تحقيق مطالب اجتماعية محددة.
ويرى العلوي أن الاعتراف بهذه الموازين لا يعني التخلي عن الأفق الثوري، وإنما إعادة تعريفه، بحيث يصبح العمل الثوري قدرة على تحويل التناقضات الاجتماعية إلى قوة منظمة، والغضب إلى فعل، والمطالب الجزئية إلى تراكم سياسي قادر على تغيير موازين القوى.
«الاعتراف بالهزيمة» والانطلاق من حجم القوة الحقيقي
وفي واحدة من أبرز خلاصات نصه، اعتبر العلوي أن «كل التنظيمات اليسارية الحالية مطالبة بالاعتراف بهزيمتها أمام التاريخ»، قائلاً إنها ليست في وضعها الراهن قوى جماهيرية ذات تأثير حاسم في الحياة السياسية والاجتماعية، وإن معظمها عبارة عن مجموعات مناضلة محدودة العدد والتأثير، بصرف النظر عن تضحيات مناضليها ونزاهتهم.
وشدد في المقابل على أن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني، من وجهة نظره، الاستسلام أو التخلي عن معاداة الرأسمالية والعدالة الاجتماعية والتحرر، وإنما الانطلاق من تقدير واقعي لحجم القوة التي يمتلكها اليسار اليوم.
نحو منظمة حديثة وبرنامج «جذري في أهدافه وإصلاحي في أفقه العملي»
وفي مقابل هذا التشخيص، طرح العلوي تصوره لإعادة بناء اليسار، داعيًا إلى منظمة سياسية «جدية، حديثة، منضبطة، مفتوحة»، تمتلك جهازًا إعلاميًا قادرًا على مخاطبة المجتمع، والوصول إلى الشباب وبناء علاقات مع النقابات والحركات الاجتماعية والبيئية والنسوية والتربوية والمبادرات المحلية.
وعلى المستوى البرنامجي، دعا إلى أن يكون البرنامج السياسي «جذريًا في أهدافه وإصلاحيًا في أفقه العملي»، من خلال وضع مصالح العمال والأجراء والفئات الشعبية والمهمشة والشباب والنساء في مركز العمل السياسي، وترجمة ذلك إلى مطالب ملموسة تشمل الأجور والخدمات العمومية والصحة والتعليم والنقل والسكن والحماية الاجتماعية والعدالة الجبائية والتنمية الجهوية وحماية البيئة والحريات السياسية والنقابية.
من «الصفر السياسي» إلى بناء قوة فعلية
ويخلص العلوي إلى أن استعادة اليسار لدوره لا تمر، وفق رؤيته، عبر مزيد من الشعارات أو استنساخ تجربة السبعينات أو تجربة الجبهة الشعبية، بل من خلال «لحظة صدق تاريخية» يعترف فيها بما خسره ويبدأ مما يسميه «الصفر السياسي».
ويوضح أن المقصود ليس تجاهل ما راكمته الحركة اليسارية من فكر وتجارب وتضحيات على مدى عقود، وإنما الانطلاق من الحجم الحقيقي للقوة السياسية التي تمتلكها اليوم.
ومن هذا المنطلق، يدعو العلوي إلى بناء قوة سياسية حقيقية تجمع، بحسب تصوره، الشباب والمثقفين والعمال والنساء والبيئيين والنقابيين والناشطين الاجتماعيين، وتمتلك خطابًا مفهومًا وإعلامًا حاضرًا وبرنامجًا قابلًا للنضال، بما يسمح بتحويل المبادئ والأفكار إلى قوة اجتماعية ومكاسب ملموسة.



