🎙آخر الأخبار
إعلان

تونس في قلب العاصفة: من تشخيص المخاطر إلى صناعة الخيارات الاستراتيجية

10 أكتوبر 2026

تونس في قلب العاصفة: من تشخيص المخاطر إلى صناعة الخيارات الاستراتيجية

تختتم منصة «مسارات» سلسلة المقالات التحليلية التي خصّ بها الكاتب السياسي نجيب العياري المنصة، ونشرتها في أربع حلقات تناولت التحوّلات الجيوسياسية المحيطة بتونس، انطلاقًا من موقعها الاستراتيجي على حدود ليبيا، مرورًا بالتنافس الجزائري المغربي، وصولًا إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الساحل الإفريقي. وفي هذا المقال الرابع والأخير، ينتقل العياري من تشخيص المخاطر والتحوّلات إلى استشراف الخيارات المتاحة أمام تونس، طارحًا سؤالًا محوريًا: كيف يمكن لدولة محدودة الموارد أن تحوّل موقعها الجغرافي من مصدر للتحديات والمخاطر إلى رافعة للأمن والتنمية والنفوذ الدبلوماسي؟ ويقدّم الكاتب قراءة تربط الأمن القومي بالعلاقات الإقليمية والطاقة والمياه والتجارة وفعالية المؤسسات والتماسك الوطني، داعيًا إلى الانتقال من إدارة الأزمات بردود الفعل إلى بناء رؤية استراتيجية متكاملة، تستند إلى الاستشراف وحسن توظيف الموارد وتعزيز قدرة الدولة على صناعة القرار.

نجيب العياري – كاتب سياسي

ليست وظيفة الاستشراف أن يخيفنا مما قد يحدث، ولا أن يضيف إلى قلق المجتمع قلقًا آخر اسمه الجغرافيا السياسية. فوظيفته الحقيقية أن يمنح الدولة وقتًا إضافيًا قبل وصول الخطر، وأن يحوّل المعرفة بما يحدث حولها إلى قدرة على الفعل.

لقد أصبحت البيئة المحيطة بتونس أكثر تعقيدًا مما كانت عليه منذ عقود. فليبيا لم تعد فقط بلدًا منقسمًا يبحث عن تسوية داخلية، بل فضاءً تتقاطع فيه مصالح تركيا وروسيا ومصر والإمارات والولايات المتحدة وأوروبا. والجزائر والمغرب انتقلتا من خلاف تاريخي مزمن إلى منافسة تمتد إلى إفريقيا والطاقة والممرات التجارية.

أما الساحل الإفريقي، فيعيد بناء نظامه الأمني والسياسي بعد تراجع الوجود الفرنسي والغربي وصعود تحالفات جديدة، في ظل استمرار نشاط جماعات مسلحة تنازع الدول على الأرض والموارد وطرق الإمداد. وفي الشمال، تعيد أوروبا تعريف أمنها تحت تأثير التوترات الدولية وأزمات الطاقة والهجرة والتجارة.

أمام هذه الخريطة، لا يكفي أن تعلن تونس رفضها التدخل في شؤون الآخرين أو تمسكها باستقلال قرارها. فهذه مبادئ عامة تحتاج إلى مؤسسات وأدوات وقدرات تجعلها قابلة للتطبيق.

وهنا يظهر السؤال الأصعب: كيف تستطيع دولة محدودة الموارد أن تتعامل مع تحولات لا تملك التحكم في أسبابها، وأن تحافظ على مصالحها دون أن تتحول إلى ساحة لتنافس الآخرين؟ إنه سؤال يتجاوز الدبلوماسية التقليدية، ويدخل إلى صميم معنى الدولة وقدرتها على الاستمرار.

من رد الفعل إلى التفكير الاستراتيجي

قد تواجه الدولة الأزمات بأسلوبين مختلفين. الأول يقوم على التعامل مع الحدث بعد وقوعه: اضطراب حدودي يستدعي إجراءات أمنية، وأزمة طاقة تفرض البحث عن إمدادات بديلة، وتوتر في دولة مجاورة يقود إلى مشاورات دبلوماسية عاجلة.

أما الثاني، فيبدأ قبل وقوع الأزمة، عبر تحديد المصالح الحيوية، وتحليل مصادر الخطر، وبناء السيناريوهات، وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات، وتوفير قدر من الموارد الاحتياطية.

ولا يلغي الأسلوب الثاني الحاجة إلى إدارة الطوارئ، لكنه يقلل الاعتماد الحصري عليها. ومن هنا تبرز فكرة بناء عقيدة وطنية للأمن القومي، لا بمعنى وثيقة عسكرية تقتصر على تحديد الأعداء، بل بوصفها إطارًا يجمع الأمن والدبلوماسية والاقتصاد والطاقة والمياه والتكنولوجيا والاستقرار المؤسسي. فالأمن الوطني أصبح منظومة مترابطة. فتعطّل شبكة الكهرباء يمكن أن يؤثر في المستشفيات والاتصالات والإنتاج. واضطراب استيراد الحبوب يمكن أن يتحول إلى ضغط اجتماعي ومالي. وأزمة في دولة مجاورة قد تنتقل إلى الاقتصاد والهجرة وأمن الحدود في وقت واحد. والسياسة الاستراتيجية هي التي تبحث عن العلاقات بين هذه الملفات، بدل أن تترك كل مؤسسة تعالج الجزء الذي يقع ضمن اختصاصها وحده.

الجزائر: عمق أمني وشراكة متداخلة المصالح

تحتل الجزائر موقعا خاصّا في معادلة الأمن التونسي. فالعلاقة بين البلدين تتجاوز الدبلوماسيّة إلى الترابط الحدودي والأمني والاقتصادي والطاقة والحركة البشريّة. وفي الرابع من أكتوبر 2005، وقّع البلدان اتفاقيذة تعاون دفاعي شملت التكوين وتبادل المعلومات والخبرات والتنسيق والعمليات المشتركة والتعاون الميداني في تأمين الحدود، استكمالا لاتفاق يعود إلى سنة 2001. ويمثّل هذا التعاون عنصرا قائما يمكن البناء عليه عند دراسة خيارات السياسة الأمنيّة. لكن العلاقة الوثيقة مع الجزائر تتقاطع مع مسألة أخرى: استمرار التوتر الجزائري المغربي. وتطرح هذه الوضعية على تونس معادلة دبلوماسية مركبة، تتمثل في المحافظة على الشراكة المباشرة مع الجزائر، وعلى العلاقات التاريخية مع المغرب، مع تجنب تحول الخلاف بين البلدين إلى مصدر استقطاب داخل المجال التونسي.

توجد هنا عدة أدوات ممكنة، من بينها المشاورات الثنائية المستمرة، وتطوير التعاون الاقتصادي مع كل بلد، ودعم الأطر المغاربية متعددة الأطراف، والمحافظة على قنوات التواصل الدبلوماسي. ولكل أداة شروطها وحدودها. فالوساطة، مثلًا، لا تنجح بمجرد إعلان الرغبة فيها، بل تحتاج إلى قبول الأطراف ووجود مجال للتفاوض. أما التعاون الاقتصادي، فيمكن أن يستمر في بعض المجالات حتى حين تتعثر المبادرات السياسية الكبرى. وبذلك لا تنفصل سياسة الجوار عن القدرة على إدارة العلاقات المختلفة ضمن رؤية واحدة للمصالح.

ليبيا: من حماية الحدود إلى بناء مجال مصالح

تمثل ليبيا الحلقة الثانية في المعادلة. ففي ماي 2025، اجتمع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في القاهرة ضمن آلية دول الجوار الثلاثية، وأكدوا دعم تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها. وفي جويلية من السنة نفسها، انعقد في طرابلس الاجتماع الثاني لفريق العمل الأمني الذي يضم تونس والجزائر وليبيا، لبحث التنسيق الحدودي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

هذه الآليات تكشف أن تونس لا تبدأ من الصفر. فهناك بالفعل تعاون دبلوماسي وأمني قائم. لكن السؤال يتعلق بمدى إمكانية ربطه بمشاريع اقتصادية واجتماعية أوسع. فمعبر رأس جدير ليس مجرد نقطة مراقبة. إنه أيضًا قناة للتجارة وحركة الأفراد والخدمات، وترتبط به مصالح مناطق كاملة في الجنوب الشرقي التونسي. وفي أفريل 2025، أعلنت تونس التحضير لممر تجاري قاري بالتنسيق مع ليبيا، ينطلق من رأس جدير نحو العمق الإفريقي، ضمن تصور لتطوير وظيفة المعبر وتوسيع الارتباط الاقتصادي مع القارة.

ويمكن دراسة هذا المشروع من زاوية أمنية وتنموية في آن واحد. فالتجارة المنظمة تحتاج إلى حدود آمنة، والحدود الآمنة تستفيد بدورها من اقتصاد قانوني مستقر يوفر فرص العمل ويحد من جاذبية الأنشطة غير المنظمة. غير أن تطوير الممر يتطلب استثمارات في النقل والخدمات اللوجستية والجمارك الرقمية والتأمين، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني مع الدول التي سيعبرها. وهكذا لا يصبح الأمن بديلًا عن التنمية، ولا التنمية بديلًا عن الأمن، بل تتداخل الوظيفتان داخل المجال الحدودي نفسه.

الحدود الذكية: من الجدار إلى المنظومة

إن طبيعة التهديدات العابرة للحدود تفرض إعادة التفكير في مفهوم الحماية. فالتهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وحركة الجماعات المسلحة لا تعمل جميعها بالطريقة نفسها، لكنها قد تستفيد من الطرق والشبكات والفراغات المؤسسية ذاتها.

وتملك الدول أدوات مختلفة للاستجابة: المراقبة الأرضية، والاستعلام، والتنسيق مع الجوار، وإدارة المعابر، والتكنولوجيا، والتعاون القضائي، والتنمية الاقتصادية للمناطق الحدودية. لكن لكل أداة مزايا وتكاليف ومخاطر. فالمراقبة التقنية قد تحسن القدرة على اكتشاف الحركة غير القانونية، لكنها تحتاج إلى تجهيزات وصيانة وكفاءات وحماية للبيانات. وتشديد القيود على الحركة قد يستجيب لخطر محدد، لكنه قد يؤثر أيضًا في التجارة القانونية ومعيشة السكان.

ولهذا فإن إدارة الحدود تمثل مسألة موازنة بين أهداف متداخلة: الأمن من جهة، وحرية الحركة المشروعة والاقتصاد والحقوق والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. والتحدي المؤسسي هنا هو كيف تعمل الأجهزة المختلفة ضمن منظومة معلومات وقرار متكاملة، مع تحديد المسؤوليات والرقابة القانونية.

ماذا يعني الدفاع بالنسبة إلى دولة محدودة الموارد؟

تطرح التحولات العسكرية في الجوار سؤالًا مشروعًا حول طبيعة القدرات الدفاعية التي تحتاج إليها تونس. لكن المقارنة العددية مع جيوش الدول الأكثر تقدمًا لا تقدم وحدها أساسًا كافيًا لتحديد الاحتياجات. فالخيارات الدفاعية ترتبط بطبيعة التهديدات والموارد المتاحة والعقيدة العسكرية والتحالفات والقدرة على الصيانة والتدريب.

وتشمل المجالات المطروحة للنقاش حماية الحدود والسواحل، والدفاع الجوي، والتصدي للطائرات المسيّرة، والاستعلام والاستطلاع، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، والقدرة على التحرك السريع.

ولا تكمن المسألة في اقتناء التجهيزات وحدها، فالقيمة الفعلية لأي منظومة تتوقف على تدريب الأفراد، وتوافر قطع الغيار، واستمرارية الاتصالات، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق مع بقية مؤسسات الدولة. وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعمل ضمن قيود مالية. فالدفاع ليس مجرد موازنة لشراء السلاح، بل منظومة ممتدة تشمل البشر والتكنولوجيا والتنظيم والصيانة والجاهزية.

الماء والطاقة والغذاء: الحدود الجديدة للأمن القومي

اعتادت المجتمعات النظر إلى الأمن بوصفه مسألة حدود وجيوش. لكن الأزمات الحديثة كشفت أن استمرار الخدمات الحيوية قد يكون عرضة للضغط دون وقوع مواجهة عسكرية مباشرة. فانقطاع المياه أو الكهرباء، أو اضطراب إمدادات الغذاء والدواء، أو التعرض لهجوم إلكتروني واسع، قد يؤثر في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

وتواجه تونس في هذا المجال تحديات قائمة. ففي أفريل 2025، أعلن البنك الدولي الموافقة على تمويل المرحلة الأولى من برنامج الأمن المائي والقدرة على الصمود في تونس، الذي يستهدف معالجة تحديات المياه في المناطق الحضرية والريفية ومواجهة الضغوط المناخية.

ومن منظور الأمن القومي، تفتح هذه المشاريع أسئلة تتجاوز الإنشاءات. كيف تُدار الموارد المائية خلال سنوات الجفاف؟ وما مستوى الاحتياط المتاح؟ وكيف توزَّع المياه بين الاستهلاك البشري والزراعة والصناعة؟ وما الخيارات المتاحة لتقليل الهدر وإعادة استعمال المياه وتحسين القدرة على مواجهة الانقطاعات؟

وتظهر الأسئلة نفسها في الطاقة. فبحسب المعهد الوطني للإحصاء، يمثل العجز التجاري الطاقي عبئًا مهمًا على التوازنات الخارجية لتونس، وهو ما يكشف أثر الواردات الطاقية في الاقتصاد الوطني. وهنا تصبح سياسة الطاقة مرتبطة بالسياسة الاقتصادية والمالية والأمنية في آن واحد.

ولا يتعلق الأمر بتحقيق اكتفاء كامل قد يكون غير واقعي أو مرتفع التكلفة، بل بتحديد مستويات الاعتماد المقبولة، وتنويع المصادر، وتحسين النجاعة، وتوفير البدائل عند الاضطراب.

هل تتحول تونس إلى منصة للطاقة بين إفريقيا وأوروبا؟

يقدم مشروع الربط الكهربائي ELMED مثالًا واضحًا على تداخل الاقتصاد بالجغرافيا السياسية. فالمشروع، الذي تدعمه مؤسسات أوروبية ودولية، يقوم على إنشاء كابل بحري بقدرة 600 ميغاواط بين تونس وإيطاليا، بهدف ربط شبكتي الكهرباء وتحسين التكامل بين شمال إفريقيا وأوروبا.

يمكن لهذا النوع من البنية التحتية أن يفتح فرصًا جديدة لتبادل الكهرباء وتطوير الطاقات المتجددة. لكن أثره الاقتصادي في تونس لا يتحدد بمجرد إنجاز الكابل. فهو يرتبط بكلفة الإنتاج، والقدرة المحلية على تطوير الطاقات المتجددة، وشروط تبادل الكهرباء، وتوازن احتياجات الاستهلاك الداخلي مع فرص التصدير، ومدى مشاركة المؤسسات والكفاءات التونسية في سلسلة القيمة. ومن ثم فإن تقييم المشروع يحتاج إلى أكثر من حساب عائدات العبور أو التصدير. فالمعيار الاقتصادي الأوسع يشمل أثره في الصناعة المحلية والتشغيل ونقل التكنولوجيا وأمن الإمدادات. وهذا مثال على كيفية تحويل مشروع تقني محدد إلى جزء من رؤية اقتصادية واستراتيجية أشمل، دون إغفال تكاليفه ومخاطره.

أوروبا: علاقة اعتماد متبادل غير متكافئ

ستظل أوروبا طرفًا أساسيًا في الاقتصاد التونسي. فالاتحاد الأوروبي يستوعب القسم الأكبر من الصادرات التونسية، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء. وهذه العلاقة تمنح الاقتصاد التونسي منفذًا مهمًا إلى سوق كبيرة وقريبة، لكنها تجعل أداء قطاعات عديدة مرتبطًا بالطلب الأوروبي وبالتغيرات التنظيمية والاقتصادية داخل الاتحاد. وفي جويلية 2023، وقّع الاتحاد الأوروبي وتونس مذكرة شراكة شملت الاستقرار الاقتصادي الكلي، والتجارة والاستثمار، والانتقال الطاقي الأخضر، والتواصل بين الشعوب، والهجرة.

وتكشف هذه المحاور أن العلاقة تتجاوز ملف الهجرة، وإن كان هذا الملف يحظى باهتمام سياسي كبير لدى الطرف الأوروبي. كما تطرح هذه الوضعية على تونس مسألة التفاوض بين مصالح مختلفة. فمن جهة، توجد فرص التمويل والاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والحركة القانونية للأفراد. ومن جهة أخرى، توجد مسائل مراقبة الحدود والهجرة غير النظامية والعودة وحقوق المهاجرين والتزامات الأطراف.

وتتوقف نتائج التفاوض على وضوح الأهداف، وتوافر المعطيات، والقدرة على الربط بين الملفات ذات الصلة، وتحديد الضمانات القانونية والاقتصادية. أما تنويع الشركاء فلا يعني بالضرورة تقليص العلاقات مع أوروبا، بل قد يتخذ صورة توسيع الصادرات نحو أسواق أخرى، بالتوازي مع تطوير الشراكة الأوروبية. وبذلك يصبح التنويع أداة لإدارة المخاطر الاقتصادية، لا موقفًا سياسيًا مسبقًا من شريك بعينه.

إفريقيا: من ملف الهجرة إلى مجال اقتصادي

يكشف تحليل التحولات في الساحل عن مشكلة أخرى في طريقة النظر إلى إفريقيا. فالقارة لا تمثل مصدرًا للهجرة والمخاطر الأمنية فقط. إنها أيضًا مجال واسع للتجارة والخدمات والاستثمار والتكوين والتكنولوجيا.

وتملك تونس قطاعات يمكن أن تجد فرصًا في الأسواق الإفريقية، منها الصناعات الكهربائية والميكانيكية، والخدمات الصحية، والصناعات الدوائية، والهندسة، وتكنولوجيا المعلومات، والتعليم، والصناعات الغذائية.

وفي جوان 2025، اختتم الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية زيارته إلى تونس باتفاق على خطة عمل تهدف إلى تعميق تجارتها مع القارة، وتحويل التزاماتها في الاتفاقية إلى مبادلات اقتصادية أوسع.

لكن تحقيق هذا الهدف يرتبط بتحديات عملية. فالشركات تحتاج إلى وسائل نقل منتظمة، ومعلومات عن الأسواق، وخدمات مصرفية وتأمين، وإجراءات جمركية واضحة، وآليات لتسوية النزاعات التجارية.

وهذا يوضح أن الانفتاح على إفريقيا ليس مجرد قرار بفتح سفارات إضافية. إنه مشروع اقتصادي ومؤسسي يتطلب تنسيق الدبلوماسية مع النقل والتجارة والمالية والقطاع الخاص.

وقد تكتسب المناطق الحدودية الجنوبية دورًا جديدًا داخل هذا المشروع إذا تطورت الممرات القارية. فبدل أن تكون الأطراف الجغرافية لتونس مناطق تنتهي عندها الشبكات الاقتصادية، يمكن أن تصبح نقاطًا للاتصال مع أسواق أخرى.

التعدد في الشراكات: فرصة وتعقيد

تتعامل تونس مع محيط تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا وتركيا وقوى إقليمية أخرى. وتوجد أمام الدول الصغيرة والمتوسطة عدة مقاربات لإدارة علاقاتها الخارجية. فقد تختار الدولة تركيز علاقاتها مع عدد محدود من الشركاء، بما يوفر درجة مرتفعة من التنسيق، لكنه يزيد الاعتماد عليهم. وقد تختار توسيع العلاقات، بما يتيح مصادر مختلفة للتمويل والتكنولوجيا والأسواق، لكنه يتطلب قدرة أكبر على إدارة الالتزامات وتجنب التعارض بينها. وهناك أيضًا مقاربات تجمع بين شراكات عميقة في مجالات محددة وتنويع العلاقات في مجالات أخرى. ولا توجد صيغة واحدة صالحة لجميع الدول. فالأمر يرتبط بموقع الدولة واقتصادها والتزاماتها وقدرتها التفاوضية وأولوياتها الأمنية.

بالنسبة إلى تونس، يتمثل السؤال العملي في كيفية ضمان أن تحقق اتفاقاتها الخارجية مصالح قابلة للتحديد والقياس، وأن تكون آثارها المالية والقانونية والاستراتيجية واضحة. وهنا تظهر أهمية الربط بين الدبلوماسية والتحليل الاقتصادي والقانوني والأمني. فالعلاقة الخارجية لا تصبح أكثر فائدة لمجرد ارتفاع عدد الاتفاقات الموقعة، وإنما تتحدد قيمتها بمدى تنفيذها وآثارها والتزاماتها طويلة المدى.

العقل الاستراتيجي: كيف تنتج الدولة المعرفة قبل القرار؟

تتوزع المعلومات المتعلقة بالأمن القومي على مؤسسات متعددة. فوزارة الخارجية تتابع العلاقات الدولية، ووزارة الدفاع تتعامل مع التهديدات العسكرية، والأجهزة الأمنية تراقب الجريمة والإرهاب، والمؤسسات الاقتصادية تدرس التجارة والتمويل، والهيئات المختصة بالطاقة والمياه تتابع الموارد والبنية التحتية.

ومن طبيعة الأزمات الحديثة أن تتداخل فيها هذه المجالات. وهنا تظهر أهمية وجود آلية تجمع المعطيات وتنتج سيناريوهات مشتركة.

ويمكن تصور عدة صيغ مؤسسية لهذا العمل: مجلس وطني قائم يُعزّز بوحدات استشراف متخصصة، أو مركز دائم للتحليل الاستراتيجي، أو شبكة تضم الإدارات والجامعات ومراكز البحث تحت إشراف مؤسسي محدد.

ويعتمد الاختيار بين هذه الصيغ على الموارد والقانون المنظم لها وطبيعة منظومة اتخاذ القرار. لكن الوظائف المطلوبة يمكن تحديدها بوضوح.

تتمثل أولًا في متابعة التحولات الدولية والإقليمية بصورة منتظمة، ثم تحديد الآثار المحتملة على تونس، وإعداد السيناريوهات والبدائل، وتقدير التكاليف والقدرات اللازمة، ومراجعة النتائج بعد اتخاذ القرارات.

ومن الأسئلة التي يمكن أن تختبر بها الدولة جاهزيتها: ماذا يحدث إذا أُغلق معبر حدودي رئيسي مدة طويلة؟ وكيف تتعامل مؤسساتها مع اضطراب الإمدادات الطاقية؟ وما أثر أزمة مالية أوروبية على الصادرات التونسية؟ وكيف تستجيب إذا شهدت ليبيا تجددًا واسعًا للعنف؟ وما البدائل عند حدوث جفاف ممتد أو هجوم سيبراني على منشأة حيوية؟

وتكمن أهمية هذا النوع من العمل في أنه يتيح للمؤسسات مناقشة الخيارات قبل وقوع الحدث، بدل أن تبدأ التفكير تحت ضغط الأزمة.

الجنوب التونسي: من منطقة حدودية إلى مجال اقتصادي استراتيجي

تلتقي معظم القضايا التي تناولتها هذه السلسلة في الجنوب التونسي. فهو الأقرب إلى ليبيا والجزائر والعمق الصحراوي، والأكثر اتصالًا بمسارات التجارة البرية والهجرة والطاقة. ولذلك فإن التنمية الجهوية في الجنوب ليست منفصلة عن الجغرافيا السياسية.

والتفكير في تحويل الموقع إلى فرصة يتطلب النظر إلى المنطقة بوصفها منظومة اقتصادية مترابطة. فالموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات والمناطق اللوجستية والمؤسسات الصناعية والخدمات الجمركية ينبغي أن تعمل ضمن تصور يربط السوق المحلية بالأسواق المجاورة.

ويطرح هذا التصور سؤالًا مهمًا حول توزيع مكاسب المشاريع. فقد يمر طريق تجاري عبر جهة دون أن تستفيد منه بما يكفي إذا ظلت الخدمات والاستثمارات والوظائف متركزة في مناطق أخرى. ومن ثم فإن تقييم الممرات الاقتصادية يحتاج إلى قياس أثرها في التشغيل والمؤسسات المحلية والجباية والخدمات، لا في حجم العبور وحده. وبذلك تصبح التنمية الجهوية جزءًا من إدارة المصالح الاستراتيجية للدولة.

الهجرة: بين القانون والأمن والبعد الإنساني

تتجسد العلاقة بين الداخل والخارج أيضًا في ملف الهجرة. فتونس بلد منشأ وعبور ومقصد، وتتأثر بسياسات الدول الأوروبية وظروف الدول الإفريقية والنزاعات الإقليمية. ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني، كما لا يمكن تجاهل مسؤوليات الدولة في إدارة حدودها وقوانين الإقامة.

وتظهر هنا مجموعة من الملفات المتداخلة: مسارات الهجرة القانونية، وحماية اللاجئين وطالبي الحماية وفق الالتزامات القانونية، ومكافحة الاتجار بالبشر، وتنظيم الإقامة والعمل، والتعاون مع دول المنشأ والعودة التي تراعي القانون والحقوق الإنسانية.

وتحتاج إدارة هذه الملفات إلى تحديد مسؤوليات المؤسسات، وتوفير البيانات والضمانات القانونية، وإلى اتفاقات خارجية واضحة. كما تطرح العلاقة مع أوروبا مسألة توزيع الأعباء والتمويل والمسؤوليات بين بلدان المنشأ والعبور والمقصد. إنها قضية متعددة الأطراف، ولذلك لا يمكن فهمها انطلاقًا من السواحل التونسية وحدها.

التماسك الوطني: خيار استراتيجي لا شعار سياسي

بعد كل هذه الملفات، نصل إلى لب المسألة الداخلية. فقد تمتلك الدولة علاقات خارجية واسعة، وقدرات أمنية متطورة، ومشاريع اقتصادية مهمة، لكنها تظل معرضة للاضطراب إذا فقدت مؤسساتها القدرة على العمل المشترك أو تراجعت ثقة المواطنين في أدائها.

ويظهر أثر الثقة بصورة خاصة أثناء الأزمات. فحين يُطلب من المجتمع تحمل تكاليف استثنائية، تتأثر الاستجابة بدرجة وضوح القرارات، وعدالة توزيع الأعباء، وقدرة المؤسسات على تفسير الخيارات ومساءلة المسؤولين عنها. وهذا يجعل التماسك الوطني مرتبطًا بمسائل مؤسسية محددة، منها فعالية الإدارة، وسيادة القانون، والشفافية، والحقوق، وآليات المشاركة، واستمرارية الخدمات. وأؤكد هنا مرة أخرى أن التماسك لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي. فالتعددية قد تكون مصدرًا للمعلومات والتصحيح وكشف الأخطاء، بينما قد يؤدي غياب الثقة المتبادلة أو ضعف المؤسسات إلى تعطيل القدرة على التوصل إلى قرارات قابلة للتنفيذ. ومن هنا تكتسب فكرة الحوار الوطني حول القضايا الاستراتيجية معناها. فيمكن للحوار أن يبحث في المصالح الحيوية للدولة، وأولويات الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، وإصلاح المؤسسات، وقواعد المساءلة. لكن جدوى أي حوار تتوقف على وضوح أهدافه، وشمول المشاركين المعنيين، وآليات تحويل مخرجاته إلى سياسات وقرارات، وطبيعة الضمانات التي تحمي استقلال المشاركين. والسؤال هنا لا يقتصر على من يشارك، بل يشمل أيضًا ما الذي يمكن الاتفاق عليه، وما الذي يظل موضوعًا مشروعًا للاختلاف السياسي.

من التوصيات العامة إلى آليات التنفيذ

تكتسب السياسات الاستراتيجية معناها عندما تتحول إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة. فالدعوة إلى الانفتاح الإفريقي، مثلًا، تحتاج إلى مؤشرات محددة حول الصادرات والشراكات والربط اللوجستي. والأمن المائي يحتاج إلى أهداف كمية للحد من الهدر وتنويع الموارد. أما مشاريع الطاقة، فتحتاج إلى دراسات تتعلق بالكلفة والتشغيل والنجاعة والأثر الصناعي.

وتظهر هنا ثلاثة مستويات زمنية مختلفة. في المدى القريب، يمكن التركيز على تقييم الجاهزية القائمة، وجمع المعلومات، وتحديد مواطن الاعتماد على الخارج، واختبار خطط الطوارئ.

وفي المدى المتوسط، تبرز المشاريع التي تتطلب تنسيقًا بين القطاعات، مثل تطوير الممرات التجارية، والبنية الرقمية، والطاقة، والمياه، والتكوين المتخصص.

أما المدى الطويل، فيرتبط ببناء القدرات الإنتاجية والعلمية والمؤسساتية التي تسمح للدولة بتوسيع خياراتها.

والتحدي ليس في صياغة أهداف كثيرة، بل في تحديد المؤسسات المسؤولة عنها، والموارد اللازمة، وآجال الإنجاز، ومؤشرات قياس النتائج.

فما لا يُقاس يصعب تصحيحه، وما لا تُحدَّد له مسؤولية مؤسسية قد يبقى مجرد نية معلنة.

كيف نبني السفينة؟

بعد النظر إلى ليبيا شرقًا، وإلى الجزائر والمغرب والساحل غربًا وجنوبًا، وإلى أوروبا والمتوسط شمالًا، تتضح صورة المحيط الذي تتحرك داخله تونس. إنها دولة تقع في ملتقى مجالات إقليمية مختلفة، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. لكن هذه الجغرافيا لا تحمل معنى واحدًا.

فالقرب من مناطق النزاع قد يرفع التعرض لبعض المخاطر، وفي الوقت نفسه قد يتيح فرصًا للتجارة والوساطة وإعادة الإعمار. والقرب من أوروبا يمنح منفذًا مهمًا إلى الأسواق والتكنولوجيا، لكنه قد يخلق درجة عالية من الاعتماد الاقتصادي. أما العمق الإفريقي، فيفتح فرصًا جديدة، لكنه يتطلب استثمارات وعلاقات ومؤسسات قادرة على التعامل مع بيئات مختلفة. ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق بالهروب من الجغرافيا، بل بكيفية التعامل مع مزاياها وقيودها معًا.

لقد بيّنت المقالات السابقة أن فهم المخاطر لا يكتمل بتحليل موازين القوى خارج الحدود، بل يحتاج إلى دراسة آثارها في الداخل. أما الانتقال من التشخيص إلى السياسة، فيقتضي تحديد البدائل وتكاليفها، وبناء المؤسسات القادرة على التنفيذ، وتوفير المعلومات التي تسمح بمراجعة القرارات.

وهنا تعود المسألة كلها إلى صورة بسيطة: حين تقترب العاصفة من سفينة، لا يكفي أن يعرف ربانها اتجاه الريح، بل عليه أن يعرف أيضًا حالة المحركات، ومتانة الهيكل، وكمية الوقود، وقدرة الطاقم على العمل معًا، والطرق البديلة المتاحة. فتونس لا تستطيع إيقاف جميع التحولات المحيطة بها، لكنها تستطيع دراسة آثارها، وتنظيم استجابتها، وتطوير قدراتها. فالسؤال بعد «تونس في قلب العاصفة» ليس كيف نغيّر الجغرافيا، وإنما كيف نبني الدولة والمؤسسات والقدرات التي تسمح لنا بالتعامل معها.

وعند هذه النقطة يلتقي الاستشراف بالسياسة، وتتحول معرفة العالم من مجرد تفسير لما يحدث إلى أداة تساعد المجتمع والدولة على اتخاذ قراراتهما بشأن المستقبل.

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر

تونس في قلب العاصفة: من تشخيص المخاطر إلى صناعة الخيارات الاستراتيجية | مسارات