🎙آخر الأخبار
إعلان

نجيب العياري يكتب لمسارات: بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر... فلسطين عادت إلى العالم، فهل خرج العرب من التاريخ؟

7 أكتوبر 2026

نجيب العياري يكتب لمسارات: بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر... فلسطين عادت إلى العالم، فهل خرج العرب من التاريخ؟

نجيب العياري – كاتب سياسي

بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر 2023، يبدو أن السؤال الأقل فائدة هو السؤال الأكثر تداولًا: من انتصر ومن انهزم؟ فالأحداث التاريخية الكبرى لا تُقاس بعدد القتلى، ولا بحجم الدمار، ولا حتى بالنتيجة العسكرية المباشرة وحدها، وإنما بما تغيّر بعدها في توزيع القوة والشرعية وإمكان صناعة المستقبل.

لقد حقق هجوم السابع من أكتوبر مفاجأة عسكرية وأمنية غير مسبوقة، واخترق منظومة الردع الإسرائيلية. ثم جاءت الحرب بكلفة فلسطينية هائلة تجعل تحويل النجاح التكتيكي إلى حكم بانتصار استراتيجي أمرًا متعجلًا.

فالاستراتيجية لا تسأل فقط: ماذا خسر الخصم؟ بل تسأل أيضًا: ماذا ربح أصحاب القضية؟ وبأي ثمن؟ وماذا بقي من المجتمع والمؤسسات والقدرة؟ وهل أصبحت الحرية والدولة أقرب أم أبعد؟

ومع ذلك، سيكون من الخطأ المقابل اعتبار ما وقع مجرد مواجهة أخرى ستنتهي ليعود كل شيء إلى ما كان عليه. فأهم ما أحدثه السابع من أكتوبر لم يكن عسكريًا فقط، بل إنه كسر نظامًا سياسيًا كان يسمح للعالم بإدارة القضية الفلسطينية من دون حلها.

القضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، ولا تستمد مشروعيتها منه. ففي جويلية 2024 خلصت محكمة العدل الدولية إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وربطت ذلك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وهذه حقيقة تعيد وضع الحرب في زمنها التاريخي الصحيح.

فمن قبل، كانت الأرض تُقضم، والاستيطان يتمدد ويتوسع، والمنازل تُهدم، والمجال الفلسطيني يتفتت. لكن ذلك كان يحدث بإيقاع بطيء يسمح للنظام الدولي بالتعايش معه: بيت يُهدم هنا، وأرض تُصادر هناك، ومستوطنة تتوسع، وطريق يُغلق، وعائلة تضطر إلى الرحيل.

وعلى مر السنين بلغ هذا المسار حجم الدمار الاستثنائي الذي أصاب غزة. لكن ما يمكن قوله هو أن الحرب نقلت جانبًا من أزمة ممتدة من العنف البطيء المتراكم إلى العنف الكثيف المرئي عالميًا. ولذلك لم يعد العالم قادرًا على النظر إلى المسألة بالطريقة القديمة نفسها.

من احتكار السردية إلى تحوّل فلسطين إلى قضية عالمية

من أهم ما تغيّر أن الحرب كسرت احتكار سردية الضحية، رغم محاولات الضغط الإعلامي الإسرائيلي. فالذين قُتلوا أو اختُطفوا في السابع من أكتوبر قدّمهم الإعلام الإسرائيلي بوصفهم ضحايا، لكن الفلسطينيين الذين قُتلوا أو هُجّروا أو فقدوا منازلهم وأراضيهم ومستشفياتهم ومدارسهم هم ضحايا أيضًا.

وما تبدّل في المجال الغربي هو أن السؤال لم يعد فقط: كيف نحمي إسرائيل؟ بل بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: ومن يحمي الفلسطيني؟ من يحمي حقه في الحياة والأرض وتقرير المصير؟

وهنا بدأت فلسطين تنتقل من كونها قضية عربية أو إسلامية أساسًا إلى قضية معيارية عالمية تتحدث بلغة القانون والحقوق وحماية المدنيين ورفض الاحتلال.

فالطالب في جامعة غربية لا يحتاج إلى أن يكون عربيًا كي يحتج، والقاضي لا يحتاج إلى تبني الرواية الفلسطينية كلها كي يسأل عن تطبيق القانون. وهكذا اتسعت القاعدة الاجتماعية والأخلاقية للقضية بما لم يعد يسمح بحصرها في جغرافيا الشرق الأوسط.

ويمكن قياس هذا التحول داخل فرنسا بصورة شديدة الدلالة. فجان لوك ميلانشون يمثل، إلى حد بعيد، عنصر الثبات؛ إذ كانت مواقفه الأساسية منذ البداية واضحة في رفض الحرب والمطالبة بوقفها وربط السلام بحل سياسي للقضية الفلسطينية، بصرف النظر عن الجدل الذي أثارته بعض صياغاته بشأن من قام بالسابع من أكتوبر.

أمّا دومينيك دوفيلبان فيمثّل مسار التصاعد، فمنذ الأسابيع الأولى حذّر من تحويل حقّ الدّفاع إلى انتقام غير محدود، لكنّّه انتقل مع استمرار الحرب إلى المطالبة بأدوات سياسيّة واقتصاديّة وقانونيّة أشدّ وضوحا.

غير أن إيمانويل ماكرون ربما يقدم المقياس الأهم، لأنه يعكس انتقال مركز القرار نفسه: من الموقف الغربي الداعم بقوة لإسرائيل بعد السابع من أكتوبر إلى مسار انتهى بالاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين سنة 2025.

وبين هذه المواقع الثلاثة يمكن قراءة تحرك المجال السياسي الفرنسي كله: ميلانشون نقطة ثابتة، ودو فيلبان مؤشر تصاعد أخلاقي وسياسي، وماكرون علامة على انتقال جزء من التحول إلى المؤسسة الرسمية.

وهذه الحركة لم تكن فرنسية فقط. فالاعترافات الأوروبية والغربية الجديدة بفلسطين، والتحولات داخل الجامعات والنقابات والأحزاب والبرلمانات، تكشف أن الكلفة الأخلاقية للحرب تحولت تدريجيًا إلى كلفة سياسية داخل المجتمعات الغربية نفسها.

لم يصبح الغرب فلسطينيًا، ولم تختف التحالفات مع إسرائيل، لكن الإجماع القديم تصدع. وأصبح على السياسي الغربي أن يفسر لناخبيه لماذا تكون قواعد منع ضم الأرض بالقوة وحماية المدنيين وتقرير المصير صارمة في نزاع ومرنة في نزاع آخر.

وهنا أصبحت غزة امتحانًا لاتساق النظام الدولي ذاته، ولا سيما عندما انتقلت المواجهة إلى المؤسسات القضائية، وبلغ الأمر فرض الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب إجراءاتها المتعلقة بإسرائيل. عند هذه النقطة، لم يعد السؤال فقط: من يملك القوة؟ بل: من يحكم القوة، وبأي قواعد؟ وماذا يبقى من عالمية القانون إذا استطاع القوي معاقبة المؤسسة التي تحاول مساءلته؟

لكن المفارقة الكبرى أن هذا التحول الخارجي لم يقابله تحول عربي بالحجم نفسه. لم يكن العرب غائبين كليًا؛ فقد قدمت دول عربية مساعدات، وأدت مصر وقطر أدوارًا تفاوضية، وعُقدت القمم، ورُفض التهجير والحصار، واعتمدت خطة لإعادة إعمار غزة. لذلك لا معنى للقول إن العرب لم يفعلوا شيئًا. المشكلة أعمق: لم يقدر العرب على تحويل الموقف إلى قوة، والبيان إلى نتيجة.

فإذا كان التجويع مرفوضًا، فأين الآلية التي تجعل منع الغذاء مكلفًا على الطرف المقابل؟ وإذا كان التهجير خطًا أحمر، فما الثمن الذي سيدفعه من يحاول فرضه؟ وإذا كانت الدولة الفلسطينية قضية مركزية، فأين الموارد والعلاقات والتحالفات التي جرى ربطها بالتقدم نحوها؟ وحين تستمر البيانات، بينما تبقى القدرة على إدخال الغذاء والدواء رهينة ترتيبات يملك الطرف الآخر قدرة حاسمة عليها، تتسع فجوة المصداقية بين الخطاب والفعل.

وهنا لا نحتاج إلى اتهام الحكومات العربية بأن بياناتها مجرد تضليل لشعوبها، فالحكم على النيات لا يضيف إلى التحليل شيئًا. لكن نستطيع أن نقول إن الوظيفة العملية للبيان العربي بدأت، في أحيان كثيرة، تقترب من إدارة الفجوة بين الرأي العام العربي والسياسة الخارجية للدول أكثر مما تقترب من تغيير سلوك الفاعلين الخارجيين. وهذه الفجوة تكشف تحولًا أعمق: ففلسطين ما تزال مركزية في وجدان قطاعات واسعة من المجتمعات العربية، لكنها لم تعد بالدرجة نفسها مركزية في تشغيل موارد الدولة العربية.

وتظهر ضخامة التحول حين نقارن نهاية السبعينيات بما حدث منذ 2020. فزيارة السادات إلى القدس، ثم اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، أحدثت زلزالًا عربيًا انتهى بتعليق عضوية مصر في الجامعة العربية ونقل مقرها إلى تونس.

وبصرف النظر عن تقييم تلك السياسة، كان هناك اعتقاد بأن السلام مع إسرائيل ورقة عربية جماعية. وجاءت مبادرة السلام العربية سنة 2002 لتمنح هذا المبدأ صيغة أكثر عقلانية: انسحاب وتسوية للقضية الفلسطينية مقابل اندماج إسرائيلي وعلاقات طبيعية مع العالم العربي. كانت المعادلة، ببساطة: التسوية أولًا، والتطبيع ثمرة لها. لكن هذه الورقة تفككت شيئًا فشيئًا. فمع اتفاقات 2020 أصبح التطبيع ممكنًا خارج التسوية الفلسطينية، ولم تعد الجامعة العربية قادرة على بناء موقف موحد ضد المسار الجديد.

أما الحالة المغربية فهي شديدة الدلالة، لا لأنها الوحيدة ولا لأنها بدأت العلاقات من الصفر، بل لأن استئناف العلاقات مع إسرائيل تزامن مع حصول المغرب على مكسب يتعلق بأولويته الوطنية الأولى، أي الصحراء الغربية. ثم توسع التعاون إلى المجالين الأمني والعسكري، من دون أن يثير ذلك زلزالًا عربيًا شبيهًا بما حدث مع مصر قبل أربعة عقود. هنا تغيّر معنى التطبيع نفسه. فما كان أصلًا تفاوضيًا عربيًا جماعيًا أصبح موردًا تستطيع كل دولة استخدامه للحصول على مقابل خاص بها. وانتقلنا من معادلة «فلسطين مقابل اندماج إسرائيل في الإقليم» إلى سلسلة من المعادلات الثنائية: مصلحة هذه الدولة أو تلك مقابل علاقتها بإسرائيل، فيما بقي الفلسطيني ينتظر حصته من المقايضة.

وليست دلالة الحالة المغربية محصورة في فلسطين. فالجزائر قرأت التقارب المغربي–الإسرائيلي أيضًا من زاوية ميزان القوى المغاربي، والصحراء الغربية، والأمن الإقليمي. أي إن إسرائيل لم تعد فقط الطرف الآخر في الصراع العربي–الإسرائيلي، بل أصبحت فاعلًا يمكن إدخاله في توازنات عربية–عربية. وهذه نقلة جيوسياسية هائلة تكشف مقدار ما تغيّر في بنية المجال العربي نفسه. فالجامعة العربية لم تختف، ولكنها فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على تحويل تعدد المصالح الوطنية إلى مصلحة جماعية. فهي تجتمع وتصدر القرارات، لكنها لم تعد مركز قدرة يخشى الآخرون تجاهله.

من إعادة إعمار غزة إلى إعادة بناء القدرة السياسية

من المهم الحذر من اختزال المستقبل في «إعادة إعمار غزة». فالإعمار ضرورة إنسانية وتاريخية، لكن المال لا يحل السؤال السياسي. إذ يمكن إعادة بناء منزل، ولكن من يضمن ألا يُهدم مرة أخرى؟ ويمكن تمويل مستشفى، لكن من يضمن حمايته؟ ويمكن إنشاء إدارة تكنوقراطية، لكن الإدارة ليست سيادة. وإذا انفصل الإعمار عن إنهاء الاحتلال وبناء الدولة، فقد يتحول المجتمع الدولي مرة أخرى إلى ممول لإعادة بناء ما تسمح البنية السياسية نفسها بتدميره لاحقًا.

فالمطلوب إذن ليس صندوقًا للإعمار فقط، بل هندسة خروج من الاحتلال: إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وشرعيتها، ووحدة غزة والضفة، وإنشاء صندوق مستقل وشفاف لبناء المجتمع والاقتصاد لا الحجارة فقط، في إطار مؤتمر دولي بجدول زمني ومؤشرات قابلة للقياس، مع إعادة بناء ورقة التطبيع العربي بحيث لا تُقدّم المكافأة قبل تحقق المقابل.

وهنا يمكن تطوير فلسفة مبادرة السلام العربية بدل تكرارها حرفيًا. فالحاجة مؤكدة إلى بناء مسار متدرج: كل خطوة إسرائيلية ملموسة وغير قابلة للتراجع نحو إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، تقابلها خطوة عربية محددة في العلاقات والانفتاح والتعاون؛ وكل تراجع يوقف المقابل. هكذا يصبح التطبيع أداة تنفيذ للتسوية، بدل أن يكون شيكًا مقدمًا أو صفقة منفردة. وعند هذه النقطة فقط يمكننا العودة إلى السؤال عن حصيلة السابع من أكتوبر. إذ ليس من السهل وصفه بانتصار استراتيجي، لأن الثمن الفلسطيني أضخم من أن يسمح بمثل هذا الحكم السريع. لكنه أحدث تحولًا لا يجوز تجاهله. فقد أعاد فلسطين، بعدما كان الإقليم يتجه إلى مرحلة قبرها وتجاوزها، وأربك التطبيع غير المشروط، ووسع الاعتراف الدولي، وحرك القانون والمحاكم، وأدخل فلسطين إلى السياسة الداخلية الغربية، وكشف في الوقت نفسه عجز النظام العربي وتراجع الجامعة العربية وتفكك أوراق القوة المشتركة.

وتبدو أمامنا اليوم ثلاثة احتمالات:

• أن يقدر النظام القديم على امتصاص الصدمة، فتعاد بعض غزة، ويُستأنف التطبيع، وتتراجع فلسطين مرة أخرى عن مركز الاهتمام.

• أو أن نحصل على دولة فلسطينية معترف بها على الورق، بينما تستمر الأرض في الضمور والتلاشي، فنصبح أمام دولة في القانون بلا دولة في الجغرافيا.

• أو أن يتحول ما بدأ بعد 7 أكتوبر إلى مسار غير قابل للانعكاس، يجعل الاعتراف مرتبطًا بالأرض، والإعمار بالسيادة، والتطبيع بالتسوية، والقانون بالقدرة على التنفيذ. لهذا فإن السؤال الاستراتيجي الأهم بعد ثلاث سنوات ليس: هل انتصر السابع من أكتوبر أم انهزم؟ بل: ماذا أصبح ممكنًا بعده ولم يكن ممكنًا قبله؟ ومن سيملك القدرة على تحويل هذا الممكن إلى واقع؟

لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا فادحًا لإعادة قضيتهم إلى مركز العالم، وتحركت مجتمعات وحكومات ومؤسسات دولية من أجل عدالة القضية. لكن المأساة ستكون مضاعفة إذا تغيّر العالم أكثر مما تغيّرت شروط حياة الفلسطينيين، وإذا كانت القضية قد عادت إلى العالم في اللحظة نفسها التي فقد فيها العرب القدرة على تحويل عودتها إلى مكسب تاريخي. فالحدث لا يصبح نقطة تحول لأنه ضخم، بل لأن الفاعلين يبنون فوقه واقعًا جديدًا. وربما يكون الامتحان الحقيقي لما بعد 7 أكتوبر هو: هل نستطيع تحويل الحضور إلى قانون، والقانون إلى سياسة، والسياسة إلى قدرة، والقدرة إلى دولة وحياة وحقوق يصعب التراجع عنها؟

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر