نجيب العياري-كاتب سياسي
خلص المقال الأول إلى أن تونس لا تحتاج إلى استعادة ما قبل 25 جويلية، ولا إلى تكريس ما بعده، بل إلى ديمقراطية قادرة تجمع بين الحرية وفاعلية الدولة. وبيّن المقال الثاني أن تعثّر الانتفاضات العربية لا يدل على نقص فطري في أهلية شعوبها للديمقراطية، بل على تفاعل بنى سلطوية وبيئات خارجية معادية واختيارات نخبوية أخفقت في تحويل التسوية إلى مؤسسات وضمانات وإنجاز.
لم تفشل الثورة، بهذا المعنى، في فتح التاريخ، بقدر ما فشلت النخب التونسية في تحويل اللحظة الثورية إلى دولة ديمقراطية فاعلة. ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يفترض أن يكون خاتمة هذا المسار وبداية التفكير في ما بعده: إذا عرفنا ما الذي نرفضه وما الذي نريد تجاوزه، فمن يصنع الطريق الثالث، وكيف؟
فالطريق الثالث لا يولد من مقالة، ولا تصنعه النوايا الحسنة، ولا يكفي لإيجاده أن نتفق نظريًا على إخفاق ما قبل 25 جويلية وما بعدها، مع اختلاف طبيعة الإخفاقين ومسؤوليتهما. وهو، في الوقت نفسه، ليس نقطة وسط بين الديمقراطية والاستبداد، ولا مساواة بينهما؛ فالحرية والتعددية والتداول السلمي على السلطة ليست موضع مساومة.
المقصود هو تجاوز أعطاب التجربة الديمقراطية السابقة، ولا سيما عجزها عن استكمال المؤسسات وإنتاج دولة قادرة، من دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لشرعنة تركيز السلطة أو العودة إلى الحكم الفردي. لكن الانتقال من التشخيص إلى الفعل يطرح سؤالًا آخر: فكل فكرة سياسية تريد أن تصبح قوة في التاريخ تحتاج إلى حامل اجتماعي وسياسي، كما تحتاج إلى تنظيم وبرنامج، وقبل ذلك إلى ثقة تتراكم بين أناس اختلفوا طويلًا، وربما تبادلوا الاتهامات والخصومات.
من الغضب إلى البناء
ليس علينا أن نبدأ من الصفر. ففي 23 أوت 1946، حين انعقد ما عُرف بـ**«مؤتمر ليلة القدر»**، لم يكن المجتمعون حزبًا واحدًا ولا تيارًا فكريًا واحدًا. فقد التقت شخصيات ومكونات وطنية وسياسية ونقابية وفكرية مختلفة حول مطلب الاستقلال، وأثبت التونسيون أن الخلاف حول الطريق لا يمنع الاتفاق حول الوجهة عندما تصبح مصلحة البلاد هي المعيار.
وتبدو تجربة 18 أكتوبر 2005 أكثر اتصالًا بسؤالنا الراهن. فقد انطلقت بإضراب جوع شاركت فيه شخصيات من عائلات سياسية وحقوقية مختلفة، مطالبة بحرية التعبير والتنظيم والإفراج عن المساجين السياسيين، ثم تطورت إلى فضاء حوار بين إسلاميين ويساريين وليبراليين وحقوقيين ومستقلين، كان بعضهم، قبل سنوات قليلة، يجد صعوبة حتى في الجلوس إلى بعض.
ولم تكن قيمة التجربة في اجتماع معارضي نظام بن علي على رفضه فحسب، بل في انتقالهم إلى مناقشة ما كان كل طرف يخشاه من الآخر: التداول على السلطة، والحريات، والمساواة بين المرأة والرجل، وحرية الضمير، والعلاقة بين الدين والدولة، وقواعد النظام الديمقراطي. أي إنهم حاولوا الانتقال من وحدة الرفض إلى الاتفاق على الحد الأدنى من قواعد الجمهورية المقبلة. وهذا بالضبط هو الدرس الذي نحتاج إليه اليوم.
فمن الطبيعي أن يوحّد الظلم ضحاياه، وأن يلتقي المختلفون دفاعًا عن معتقل، أو استقلال القضاء، أو حرية التعبير، أو حق الأحزاب والنقابات والجمعيات في العمل. وهذا مكسب ينبغي حمايته وتوسيعه، لكنه يظل غير كاف إذا توقفت الوحدة عند حدود الرفض.
تونس لا تحتاج فقط إلى جبهة تعرف ما الذي ترفضه؛ إنها تحتاج كذلك إلى قوة تاريخية تعرف ما الذي تريد بناءه بعد الرفض. فالغضب يمكن أن يجمع الناس في لحظة، لكنه لا يصنع وحده مشروعًا سياسيًا، والاحتجاج يستطيع أن يفتح باب التغيير، لكنه لا يضمن ما سيأتي بعده.
ومن هنا يصبح الانتقال من الغضب إلى البناء هو المسألة المركزية: كيف نمنع أن تتحول لحظة رفض جديدة إلى فراغ جديد؟ وكيف نضمن ألا نستعيد الأعطاب القديمة بمجرد سقوط ما نرفضه اليوم؟
هيئة للبناء... لا جبهة أخرى
لهذا أقترح إطلاق مسار وطني تحضيري يمكن، بعد تهيئة شروطه، أن يتخذ شكل إطار مؤقت نسميه، بصرف النظر عن الاسم، «هيئة البناء الوطني». وظيفتها أن تحول الغضب المتفرق إلى معرفة مشتركة، والمعرفة إلى ميثاق وبرنامج، والبرنامج إلى قدرة وطنية على الفعل.
هذه الهيئة ليست حزبًا جديدًا، ولا ائتلافًا انتخابيًا، ولا حكومة ظل، ولا جبهة هدفها إسقاط قيس سعيّد، كما أنها ليست وسيلة لإعادة من حكموا قبل 25 جويلية إلى مواقعهم. وليست، كذلك، مجلسًا مغلقًا لزعماء الأحزاب يتفاوضون خلف الأبواب على مستقبل البلاد.
وهي لا تدّعي تمثيل الشعب ولا تمنح أحدًا تفويضًا للحكم؛ فالتفويض لا يمنحه إلا الاقتراع الحر والتعددي والشفاف. إنها، بالأحرى، مساحة تحضيرية يلتقي فيها من اقتنعوا، كل من موقعه، بأن تونس تحتاج منذ الآن إلى إعداد اليوم التالي للنظام القائم، من دون استعادة النظام السابق، ومن دون إفساح المجال للتدخلات الأجنبية لترتيب البيت التونسي بما تمليه مصالحها.
وفي المقابل، لا يعني الاستعداد لليوم التالي هدم مؤسسات الدولة أو دفع البلاد إلى فراغ جديد، كما أن رفض الفراغ لا يعني تعليق الاحتجاج السلمي أو التسليم بصحة كل ما هو قائم إلى نهاية العهدة. المطلوب أن يكون أي تحول سياسي، متى جاء، سلميًا وقانونيًا، وأن يجد أمامه بديلًا مؤسسيًا جاهزًا لا فراغًا جديدًا.
وهكذا لا يعود ثمة تناقض بين الضغط السلمي دفاعًا عن الحقوق والحريات وبين العمل الهادئ على إعداد البديل؛ بل يصبح الجمع بينهما شرطًا لعدم تكرار الخطأ القديم: تأجيل التفكير في ما بعد الأزمة إلى اللحظة التي يقع فيها التحول.
هذه المرة يجب أن يسبق إعداد البديل أي تحول سياسي كبير، لا أن نبدأ التفكير بعد وقوعه. فإذا كانت جبهة الرفض تجيب عن سؤال «ما الذي لا نريده؟»، فإن مسار البناء مطالب بالإجابة عن الأسئلة الأصعب: ماذا نريد أن نبني؟ ومن يبنيه؟ وبأية قواعد وضمانات وموارد؟
كيف نمنع عودة القديم؟
لكن إنشاء هيئة أو إطلاق مسار لا يضمن، في حد ذاته، أن يولد الجديد. فقد يعود القديم في ثوب مختلف إذا دخلت الأطراف المسار بالذهنيات ذاتها، وإذا بقي كل طرف يعتبر نفسه بريئًا من أخطاء السنوات الماضية.
ويبدأ بناء الثقة من المراجعة. فمن شارك في الحكم بين 2011 و2021 ينبغي أن يدخل أي مسار جديد مستعدًا لمراجعة التجربة، لا للدفاع عنها جملة وتفصيلًا. ومن ساند 25 جويلية ثم غيّر موقفه، مطالب بأن يفسر ما الذي اعتقده، وأين أخطأ، وما الضمانات التي يقترحها حتى لا يتكرر الخطأ. وحتى من عارض الجميع منذ البداية لا يجوز أن يحوّل موقفه إلى صك براءة يمنحه حق الوصاية.
ولماذا لا يقدم كل حزب أو شخصية أو منظمة مشاركة وثيقة قصيرة تجيب أمام التونسيين عن أربعة أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه: ماذا كنا نعتقد؟ أين أخطأنا؟ ماذا تعلمنا؟ وما الذي نتعهد بعدم تكراره؟ سيكون ذلك، في حد ذاته، تحولًا ثقافيًا في سياسة عانت طويلًا من مرض غريب: الجميع يخطئ، ولا أحد يعتذر.
لكن المراجعة لا ينبغي أن تتحول إلى إقصاء. فلا معنى لوحدة وطنية تبدأ بقائمة جديدة من الممنوعين. فلا الإسلامي يملك حق إلغاء اليساري، ولا اليساري حق إلغاء الإسلامي، ولا الحداثي يحتكر الجمهورية، ولا المحافظ يحتكر هوية المجتمع. كما لا ينبغي أن يتحول من شارك في الحكم إلى ممنوع سياسي إلى الأبد، ولا أن يصبح من ساند 25 جويلية مواطنًا من الدرجة الثانية.
المعيار يجب أن يكون سياسيًا وديمقراطيًا: كل من يلتزم بالتداول السلمي، والتعددية، وحرية الضمير والتعبير، والمساواة أمام القانون، واستقلال القضاء، ورفض العنف، وعدم استعمال أجهزة الدولة لإقصاء الخصوم، فهو جزء ممكن من المجال الوطني المشترك.
غير أن رفض الإقصاء لا يعني تعطيل المحاسبة. فمن ارتكب جريمة، أو مارس فسادًا أو تعذيبًا أو اعتداءً على المال العام، يجب أن يُحاسب أمام قضاء مستقل وعادل، على أساس المسؤولية الفردية والأدلة، لا بمنطق الثأر الجماعي.
والمصالحة المقصودة هنا هي مصالحة في المجال السياسي وقواعد العيش المشترك، لا تسوية قضائية تمحو حقوق الضحايا أو تسقط المسؤولية الفردية. وهي لا تقوم على غالب ومغلوب، ولا على صفقة لتقاسم السلطة أو إسقاط المحاسبة، بل على منع تكرار الماضي وإعادة بناء الثقة وضمان حق الجميع في المشاركة السياسية ما داموا يلتزمون بالقانون والديمقراطية ونبذ العنف.
فالديمقراطية تعرف أغلبية تحكم وأقلية تعارض، لكنها لا تعرف غالبًا يملك الوطن ومغلوبًا يفقد حقه فيه. واستقرار الوطن لا يُبنى بإسكات المختلفين، كما أن العدالة لا تُبنى بتحويلها إلى انتقام. فنهضة تونس لا يبنيها غالب فوق أنقاض مغلوب، بل يبنيها مواطنون مختلفون اتفقوا على أن الدولة ليست غنيمة، وأن العدالة ليست ثأرًا، وأن الوطن أوسع من انتصار أي معسكر.
وبقدر ما يحتاج بناء الثقة في الداخل إلى إنهاء منطق الإقصاء، يحتاج استقلال القرار الوطني إلى ألا يتحول الخارج إلى حكم بين التونسيين. فلا يمكن بناء سيادة ديمقراطية بأموال غامضة، أو بتعليمات عواصم أجنبية، أو بانتظار قوى نافذة حتى تقرر من تقبل ومن ترفض.
التونسيون وحدهم يقررون، في انتخابات حرة وتعددية وتنافسية تشرف عليها مؤسسات مستقلة، وتخضع منازعاتها لقضاء مستقل، من يتولى الحكم. وهذا يقتضي شفافية مصادر التمويل والعلاقات الخارجية، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، والالتزام بأن يكون أي انتقال سياسي سلميًا وقانونيًا ومحدد الأفق.
غير أن رفض التدخل الخارجي لا يعفينا من النظر في أسباب هشاشتنا الداخلية؛ فالقوة الخارجية لا تصنع هذه الهشاشة من عدم، وإن كانت تعرف جيدًا كيف تستثمرها. وحين تتحول الخلافات السياسية والأيديولوجية إلى صراع إقصائي، وترى كل جماعة خلاصها في هزيمة الأخرى لا في بناء حد أدنى من العيش المشترك، يصبح الداخل مفتوحًا على الخارج، وتتحول البلاد تدريجيًا من فاعل يقرر مصيره إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.
لذلك فإن حماية تونس من التدخل الخارجي لا تبدأ بالشعارات السيادية وحدها، بل ببناء قدرة وطنية على إدارة الاختلاف وصناعة التسويات وترتيب اليوم التالي بأيد تونسية؛ لأن الفراغ الذي نعجز نحن عن ملئه سيجد دائمًا من يملؤه وفق مصالحه.
وحتى إذا اتفق المختلفون على هذه القواعد، فقد يموت المشروع في يومه الأول إذا بدأ السؤال بمن سيرأس، ومن سيترشح، وكم مقعدًا لهذا الحزب، وما نصيب ذاك الحزب في الحكومة. فالمرحلة التحضيرية ليست لاختيار من يحكم، بل للاتفاق على كيف يُحكم البلد.
وعندما تصبح القواعد واضحة والوثائق معلنة، يعود كل حزب إلى ناخبيه وبرنامجه وهويته، ويتنافس الجميع بصورة طبيعية. ولهذا ينبغي منذ البداية تحديد مدة الهيئة ومهمتها ونقطة انتهائها، على أن تنقضي وظيفتها التأسيسية عند إنجاز الميثاق الجمهوري، وتحديد أولويات الإنقاذ الوطنية المشتركة، وصياغة خريطة الإصلاح وطرحها للنقاش العام. فالبلاد لا تحتاج إلى قتل الأحزاب، بل إلى تحرير الدولة من أن تصبح غنيمة بينها.
من الفكرة إلى المسار
إذا اتفقنا على طبيعة المسار وشروطه، يصبح السؤال عمليًا: كيف يبدأ؟
أخطر الأخطاء أن نعلن هيئة وطنية كبيرة، ونلتقط الصورة الجماعية، ثم نبدأ بعد ذلك في البحث عما يجمع أعضاءها. المطلوب قلب الطريقة: الاتفاق أولًا، والإعلان ثانيًا.
يمكن أن تبدأ مرحلة تحضيرية هادئة تمتد نحو ثلاثة أشهر، لا تكون مهمتها صناعة الزعامات، بل بناء الثقة والوثائق. وتصدر الدعوة الأولى عن مجموعة تحضيرية صغيرة ومتنوعة، لا تدّعي تمثيل أحد، ولا يملك أي عضو فيها حق الفيتو، وتنتهي مهمتها بمجرد الاتفاق على قواعد المسار وتشكيل هيئته المؤقتة.
في البداية، تنطلق لقاءات ثنائية ومحدودة بين مختلف العائلات السياسية والمدنية والاجتماعية. ولا يذهب كل طرف إلى هذه اللقاءات ليقنع الآخر بأفكاره، بل ليقول بوضوح: ما الذي يخشاه؟ وما الذي يرفض تكراره؟ وما الضمانات التي يحتاج إليها حتى يعيش مع خصومه داخل الجمهورية نفسها؟
وقد نكتشف حينها أن كثيرًا من معاركنا لم تكن خلافات في البرامج بقدر ما كانت نتاج الخوف المتبادل وانعدام الثقة.
وعندما يبدأ هذا الخوف في التحول إلى معرفة متبادلة، يمكن الانتقال من بناء الثقة إلى بناء الوثائق، عبر مجموعات صغيرة تضم سياسيين وقانونيين واقتصاديين ونقابيين وأكاديميين وأصحاب خبرة في الإدارة والدولة.
ويكون المطلوب إعداد وثيقة تشخيص واستخلاص للدروس، وميثاق جمهوري ديمقراطي يحدد القواعد والضمانات التي لا يجوز لأي أغلبية انتهاكها، وأولويات إنقاذ وطنية محدودة تضبط الملفات العاجلة التي تحتاج إلى قدر من الاستمرارية مهما تغيرت الحكومات، مع تحديد الموارد والمؤشرات الأساسية، من دون أن تتحول إلى برنامج انتخابي موحّد.
ثم ينبغي أن يخرج النقاش من العاصمة إلى الجهات، وأن تفتح اللقاءات أمام الشباب والنساء والفلاحين والعاطلين وأصحاب المؤسسات الصغرى والنقابيين والجامعيين والمجتمع المدني والتونسيين بالخارج. فالخطأ الأكبر أن نصنع «وحدة وطنية» جديدة بين سكان المقاهي السياسية في العاصمة؛ فتونس ليست شارع الحبيب بورقيبة وحده.
نتفق على الجمهورية... ونختلف في السياسة، لكن ما الذي يفترض أصلًا أن يجمع كل هؤلاء؟
ليس المطلوب برنامجًا حكوميًا من ألف صفحة، ولا إلغاء الخلافات بين اليسار واليمين، أو بين الإسلاميين والحداثيين. المطلوب عقد مواطني محدود وواضح يجعل الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول إلى حرب باردة أو إقصاء أو استبداد جديد.
وهنا ينبغي الفصل بين ثلاث دوائر: ميثاق جمهوري يضبط قواعد اللعبة التي لا يملك أي فائز خرقها، وأولويات إنقاذ وطنية محدودة تحتاج إلى قدر من الاستمرارية مهما تغيرت الحكومات، وبرامج حزبية متنافسة يختار المواطنون بينها.
أي إننا نتوافق على قواعد الجمهورية، ونتقاطع في الضرورات الوطنية، ثم نختلف بحرية في البرامج.
ومن هذه القواعد أن الدولة لا يملكها رئيس ولا حزب، وأن التداول على السلطة لا يجوز تعطيله، وأن القضاء مستقل، والحقوق والحريات لا تخضع لمزاج الحاكم، والإعلام العمومي ملك للمواطنين لا للحكومة.
كما يجب أن تكون الإدارة محايدة، والمؤسسة الأمنية حامية للجمهورية وخارج الصراع الحزبي، والجيش بعيدًا عن المنافسة السياسية. ولا تكون الانتخابات ذات معنى من دون هيئة مستقلة وقواعد معلنة ومتفق عليها، ولا تتحول المحاسبة إلى انتقام، كما لا ينبغي أن تصبح المصالحة بابًا للإفلات من المسؤولية أو العقاب.
وأي انتقال مقبل يجب أن يكون سلميًا وقانونيًا ومحدد الآجال، يمنع تركيز السلطة كما يمنع تفتيتها إلى مراكز عاجزة عن القرار.
أما المسألة الدستورية، فلا ينبغي أن تحسمها الهيئة نيابة عن الشعب. فليس عليها أن تقرر مسبقًا العودة الآلية إلى دستور سابق، أو الإبقاء على الدستور القائم، أو صياغة نص جديد. عليها فقط الاتفاق على قاعدة تسبق كل ذلك: أي إعادة بناء للنظام الدستوري يجب أن تمر بمسار تعددي معلن، ونقاش عام، وضمانات للحقوق والفصل بين السلطات، وآلية ديمقراطية تمنحه الشرعية الشعبية.
وما عدا ذلك يمكن أن يبقى مجالًا للاختلاف المشروع؛ فالأفضل أن نعرف خلافاتنا قبل الوصول إلى الحكم، وأن نحدد كيف نديرها، بدل إخفائها داخل التحالفات ثم تركها تنفجر بعد الوصول إلى السلطة.
ومن هنا يمكن إعداد خريطة صريحة للاختلافات: هذه قضايا متفق عليها، وتلك قضايا خلافية يترك حسمها للبرلمان والانتخابات والمجتمع. فالأجدى أن نختلف علنًا قبل الحكم، وأن نتفق في الوقت نفسه على كيفية إدارة اختلافنا، بدل أن نخفيه في التحالف ثم نتركه ينفجر بعد الوصول إلى السلطة.
وهنا يطرح سؤال آخر لا يقل أهمية: من يشارك في هذا المسار؟ فإذا كنا نريد بناء الجديد، فلا يجوز أن نستخدم الأدوات القديمة وحدها. ولا ينبغي، لذلك، أن تقتصر الهيئة على رؤساء الأحزاب والمنظمات أو الوجوه التي أدارت خصومات العقود الماضية.
فالبلاد تحتاج إلى خبرة هؤلاء، لكنها تحتاج أيضًا إلى تمثيل حقيقي، لا رمزي، للخبراء والجامعيين الذين أثبتوا جدارتهم، وللشباب والنساء والجهات والتونسيين بالخارج وأصحاب المبادرات الاقتصادية والاجتماعية، وإلى جيل لم يكن أسيرًا لصراعات التسعينيات ولا لخصومات ما بعد الثورة.
وتكون القيادة جماعية ومحددة المدة، ويتداول الناطقون باسمها، وتُنشر مصادر التمويل والقرارات ومحاضر الاجتماعات الأساسية. كما تعمل داخلها فرق مختصة في الدولة والمؤسسات، والاقتصاد والمالية، والسياسات الاجتماعية، والإدارة والجهات، والتعليم والثقافة، والسياسة الخارجية والأمن القومي. ولا يأتي الخبراء هنا لتزيين الصورة، بل للمشاركة الفعلية في صناعة بدائل قابلة للتنفيذ والقياس.
ومثلما لا ينبغي أن يحتكر السياسيون الهيئة، لا ينبغي للهيئة نفسها أن تحتكر الشرعية. فهي لا تدّعي شرعية تمثيلية لا يمنحها إلا الاقتراع، وإنما تكتسب مصداقيتها من انفتاحها وشفافيتها وتنوع المشاركين فيها وجودة مقترحاتها وقدرتها على إخضاعها للنقاش العام.
فإذا أقنعت مخرجاتها المواطنين، تبنتها الأحزاب والقائمات والمرشحون بقدر ما يختارون، ثم يمنح الناخبون التفويض عبر انتخابات حرة. وإذا لم تقنعهم، فليس لها أن تفرضها باسم الثورة أو الإنقاذ أو الضرورة.
دولة تعمل... لا منقذ جديد
لكن الاتفاق على قواعد الجمهورية لن يكون كافيًا إذا بقيت الدولة عاجزة عن أداء وظائفها. فالديمقراطية التي لا يشعر المواطن بأثرها في المدرسة والمستشفى والنقل والماء والطاقة تظل معرضة لفقدان الثقة.
ولهذا يجب، إلى جانب الميثاق الجمهوري، تحديد أولويات إنقاذ اقتصادي واجتماعي وثقافي مشتركة في حدود الضرورات الوطنية، على أن تبقى السياسات التفصيلية وطرق التنفيذ والتمويل مجالًا طبيعيًا للتنافس بين البرامج المنتخبة.
ويبدأ ذلك من السؤال الذي نسيته السياسة طويلًا: كيف نجعل الدولة تعمل؟ الجواب يبدأ باستعادة ضمانات الحرية واستقلال القضاء وسيادة القانون، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية على أساس التوازن والرقابة، وبإصلاح النظام السياسي حتى لا نعود إلى دولة عاجزة بسبب التشتت، ولا إلى دولة مغلقة بسبب تركيز السلطة.
ويقتضي كذلك برنامج طوارئ للمدرسة والمستشفى والنقل والماء والطاقة، بأهداف وآجال ومؤشرات معلنة، وميثاقًا اقتصاديًا واجتماعيًا جديدًا يعيد الثقة إلى الاستثمار، ويحمي المؤسسة الصغرى والمتوسطة، ويصلح المالية والمؤسسات العمومية.
كما ينبغي اعتماد سياسة تجعل الجهات الداخلية منتجة للقيمة، لا متلقية دائمة للمساعدة، وتحول الإدارة من جهاز تعطيل إلى شريك في خلق النشاط، مع وضع التعليم والجامعة والبحث العلمي والثقافة في قلب استراتيجية الدولة، وبناء عدالة اجتماعية توسع دائرة المنتجين والثروة والفرص، بدل الاكتفاء بتوزيع الفقر.
وعندما تجتمع هذه العناصر، تتحول «الديمقراطية القادرة» التي دعونا إليها في المقال الأول من شعار إلى برنامج: حرية بضمانات، وقرار برقابة، وإنفاق بأثر، وسياسات يعرف المواطن من ينفذها ومتى وبأية موارد وكيف تُقاس نتائجها. فالسياسة الجديدة يجب أن تنتقل من ثقافة «سنقوم» إلى ثقافة «ماذا أنجزنا؟». لكن بناء المؤسسات والبرامج لن يحسم المشكلة إذا بقيت الثقافة السياسية نفسها تبحث، كلما اشتدت الأزمة، عن فرد يختصر الدولة في شخصه.
سيكون من السهل أن تتحول الأزمة الحالية إلى بحث جديد عن رجل نظيف وقوي، من خارج المنظومة، و«لا يشبههم». لقد سمعنا هذا من قبل. والمشكلة ليست أن مثل هذا الرجل سيكون سيئًا بالضرورة، بل أن المجتمع الذي ينتظر المنقذ يعيد إنتاج شروط الاستبداد، حتى عندما تكون نيات مرشحه طيبة.
لذلك ينبغي أن يكون مسار البناء، في جوهره، مشروعًا لنزع البطولة من السياسة. لا نريد بطلًا جديدًا، بل قواعد جديدة؛ ولا زعيمًا فوق المؤسسات، بل مؤسسات تستطيع العمل حتى مع رئيس عادي.
فالبلد الناضج ليس الذي ينجح كل مرة في العثور على العبقري المنقذ، وإنما البلد الذي لا ينهار عندما يحكمه رئيس متوسط الكفاءة.
وقد يقال إن جمع الإسلاميين واليساريين والقوميين والليبراليين والديمقراطيين والمستقلين والنقابيين وأصحاب الأعمال والمجتمع المدني حلم مستحيل. لكن التونسيين فعلوها من قبل.
لم يتفق المشاركون في مؤتمر ليلة القدر في كل شيء، لكنهم عرفوا أن الاستقلال أكبر من خلافاتهم. ولم يكن رجال ونساء 18 أكتوبر أبناء المدرسة نفسها، لكنهم أدركوا أن حقهم في الاختلاف يحتاج أولًا إلى فضاء يسمح لهم بأن يختلفوا.
واليوم تغير السؤال. لم نعد نبحث عن الاستقلال من استعمار أجنبي، ولا فقط عن حق المعارضة في مواجهة نظام سلطوي. نحن نبحث عن قدرة وطنية على إعادة بناء الدولة والسياسة والثقة.
فمن حقنا جميعًا أن نغضب، لكن واجبنا أن نبني؛ لأن مجموع غضب اليساري والإسلامي والديمقراطي والنقابي ورجل الأعمال والشاب العاطل والطبيب والمدرس والمحامي والفلاح لا يصنع، وحده، مشروعًا وطنيًا.
المشروع يبدأ حين يتحول الغضب إلى معرفة، والمعرفة إلى برنامج، والبرنامج إلى تنظيم، والتنظيم إلى ثقة، والثقة إلى قدرة على الفعل.
عندها ننتقل من هيئة الغضب إلى هيئة البناء، ومن جبهة تجمعها خصومة شخص إلى وحدة المختلفين حول فكرة الجمهورية، ومن سؤال «كيف نسقط ما هو قائم؟» إلى السؤال الأصعب والأجدر بنا: كيف نبني ما يستحق أن يأتي بعده؟
فالوحدة الوطنية التي تحتاجها تونس ليست وحدة الصمت، ولا وحدة الزعيم، ولا الحزب الواحد، ولا حتى وحدة الجميع حول برنامج واحد. إنها وحدة المختلفين حول أن تونس أكبر منا جميعًا، وأن الدولة ليست غنيمة لأحد، وأن الحرية لا تُبنى على أنقاض الدولة، وأن الدولة لا تُبنى على أنقاض الحرية.
وبعد كل ما دفعناه من أثمان، لعلنا نستطيع هذه المرة أن نختلف من دون أن نهدم، وأن نتنافس من دون أن نقصي، وأن نتداول من دون أن ننتقم، وأن نبني جمهورية يصبح فيها المواطن أقوى من الخوف، والمؤسسة أقوى من الزعيم، وتونس أقوى من أزماتها.
===
رابط الجزء الثاني على منصة مسارات: هل نحن غير جديرين بالديمقراطية؟ من تعثّر الثورات العربية إلى الدرس التونسي | مسارات
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


