🎙آخر الأخبار
إعلان

لماذا تُمعن إيران في تدقيق نصوص الاتفاقيات مع الأمريكيين؟ الاتفاقيات الأمريكية.. تاريخ من الخداع والنكث

19 أوت 2026

لماذا تُمعن إيران في تدقيق نصوص الاتفاقيات مع الأمريكيين؟ الاتفاقيات الأمريكية.. تاريخ من الخداع والنكث

لماذا يستغرق المفاوض الإيراني وقتًا طويلًا في تدقيق كل كلمة وكل صياغة في الاتفاق مع واشنطن؟ في دراسة أعدّها خصيصًا لمنصة مسارات، يبحث د. صالح الأعجيلي في أسباب التدقيق الإيراني الشديد في نصوص التفاهمات والاتفاقيات خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، ويربط هذا الحذر بسجل تاريخي من الإشكالات المتعلقة بصياغة الاتفاقيات وترجمتها وتأويلها.

تونس- د. صالح الأعجيلي
 باحث متخصص في الدراسات اللسانية والإسلامية وحوار الحضارات والأديان المقارنة

لماذا يستغرق المفاوض الإيراني وقتًا طويلًا في تدقيق كل كلمة وكل صياغة في الاتفاق مع واشنطن؟ في دراسة أعدّها خصيصًا لمنصة مسارات، يبحث د. صالح الأعجيلي في أسباب التدقيق الإيراني الشديد في نصوص التفاهمات والاتفاقيات خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، ويربط هذا الحذر بسجل تاريخي من الإشكالات المتعلقة بصياغة الاتفاقيات وترجمتها وتأويلها.

وتستعرض الدراسة نماذج تاريخية اختارها الباحث، بدءًا من المعاهدات الأمريكية مع السكان الأصليين، مرورًا باتفاقيات وأحداث دولية، وصولًا إلى نماذج مرتبطة بالقضية الفلسطينية، لتفسير الخلفية التي يرى أنها تقف وراء تشدد المفاوض الإيراني في تدقيق الألفاظ والمصطلحات قبل الالتزام بأي اتفاق.

---

يلاحظ المتابعون لعملية التفاوض الأمريكية الإيرانية بطأ في الإيقاع الزمني من جهة الإيرانيين خاصة، ما يشعر المفاوض الأمريكي بالمماطلة وربح الوقت. والحقيقة أنّ تاريخ المعاهدات الأمريكية مع الأطراف الأخرى تتّسم بكثير من المغالطات والخداع الذي جرّ إلى فقدان الطرف المقابل جزءا هاما من حقوقه التي بدا له من خلال المفاوضات وظاهر النص أنها مدرجة في المعاهدة؛ من أجل ذلك يدقّق المفاوضون الإيرانيون نص نسخ التفاهمات الصادرة منهم أو الواردة عليهم من جهتي المبنى والمعنى، هذا إضافة إلى الطبيعة البازارية الراسخة في الشخصية الإيرانية، تلك الشخصية التي تساوم على أدنى شيء وتطيل في المساومة لأجل تحسين شروط الصفقة أيّا كانت تلك الصفقة وأيّا كانت أهميتها ومردوديتها.

في إطار هذه التخوّفات الإيرانية من التاريخ الأمريكي المليء بالمغالطات والخداع وبالأخطاء أحيانا في المعاهدات، نستعرض بعضا من تاريخ هذه الخاصية في المعاهدات الأمريكية مع ثلاثة أطراف: السكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول العالم وأخيرا مع الطرف المفاوض في القضية الفلسطينية.

تاريخ الأخطاء والخداع في المعاهدات مع القبائل الأصلية

بسبب بعض العوامل الموضوعية مثل الاعتماد على مترجمين فوريين غير متقنين للغات القبائل الأصلية بشكل تام، والفجوة الثقافية في كثير من المفاهيم الخاصة بالأرض وطبيعة العلاقات الاجتماعية، واعتماد اللغة الإنجليزية فقط في كتابة المعاهدات والاكتفاء بالترجمة الشفوية المخلّة لإبلاغ فحوى تلك المعاهدات لممثلي القبائل، إضافة إلى العوامل الذاتية المقصود بها خداع المفاوض القبلي الأصلي، فقد ضجّ التاريخ الأمريكي بمعاهدات بين الحكومة الأمريكية والقبائل الأصلية مليئة بصياغات وعبارات ملغومة أو مضلّلة ولّدت حروبا في ميدان النزال وأخرى في ميدان المحاكم لا تزال ممتدّة إلى اليوم. من أبرز هذه المعاهدات:

1.   معاهدة فورت ستانويكس (Treaty of Fort Stanwix) - 1784

وُقعت بين الولايات المتحدة واتحاد القبائل الست (Iroquois) في نيويورك:

تُرجمت الاتفاقية لممثّلي القبائل الستة شفويّا على أنها معاهدة سلام وتأمين للممرات، بينما النص الإنجليزي المكتوب الذي وقّع عليه الزعماء بـ (علامة X) كان ينص على تنازل قانوني كامل للطرف الأمريكي عن الأراضي ورسم حدود جغرافية صارمة منعت الهنود من دخول مناطق صيدهم التاريخية. وقد استغل الأمريكان اختلاف المفاهيم بينهم وبين الإيروكوا في تحديد طبيعة العلاقة بالأرض حيث تعتمد هذه القبائل على مفاهيم "تقاسم الأرض" والاشتراك في الموارد الطبيعية والممرات المائية، ولا تحمل لغاتهم القبلية معنى الملكية الفردية المطلقة للأرض.

2.   معاهدة هولستون (Treaty of Holston) - 1791

عُقدت هذه المعاهدة بين الحكومة الأمريكية وأمة الشيروكي (Cherokee):

عمد المترجمون إلى المجاز الشفوي لنقل مضمون المعاهدة للمفاوض الشيروكي (مثل "سلسلة الصداقة" أو "تطهير المسار")، وفي مقابل ذلك تعمّد المترجمون الأمريكيون صياغة نص قانوني معقّد بالإنجليزية يُفضي إلى فرض التبعية التامة تمنع أمة الشيروكي من التجارة المباشرة مع دول أخرى (مثل إسبانيا أو بريطانيا)، وإلى الاستيلاء على أجزاء واسعة من أراضي الشيروكي التاريخية. وقد خلّفت هذه المعاهدة موجة عداء طويلة وشعورا دائم بالغدر.

3.   معاهدة نيو إيتشوتا (Treaty of New Echota) - 1835

بين الحكومة الأمريكية وأمة الشيروكي أيضا:

وقّعت الحكومة الأمريكية المعاهدة مع نفر قليل جدّا من القبيلة لا يملك تفويضاً شرعياً، وقد استعمل فيها الطرف الأمريكي لغة قانونية فضفاضة ليوثّق أن "أمة الشيروكي بالكامل" قد وافقت على بيع كل أراضيها الشرقية والرحيل غرباً. ورغم اعتراض رئيس القبيلة الشرعي وجمعه لخمسة عشر ألف توقيع تثبت التزوير في تمثيل القبيلة وفي أمانة الترجمة إلا أنّ الحكومة الأمريكية أنفذت النص المكتوب بالقوة، فكانت مأساة الهجرة في "درب الدموع" التي مات فيها الآلاف.

 

4.   معاهدة فورت لارامي (Treaty of Fort Laramie) - 1868

كان طرفَا هذه المعاهدة: الحكومة الأمريكية وقبائل السيو (Sioux/Lakota) لأجل حفظ السلام في التلال السوداء وقد نصّت شفويّا على الطبيعة المقدسة الأبدية لهذه التلال عند القبائل وحرمة دخول البيض إليها دون إذن. ومع ذلك فقد تعمّد المترجمون تغييب بند "تعديل المعاهدة" أو مصادرة الأراضي إذا تغيرت الظروف. أدّى هذا الخداع إلى اجتياح المستوطنين للتلال المقدسة بحثا عن الذهب ما أنشب "حرب التلال السوداء".

تاريخ الأخطاء والخداع في المعاهدات الدولية

تحرص إيران على وصول رسائلها أو نصوصها الأولية للاتفاقات للطرف الأمريكي واضحة لا تحتمل سوء الفهم أو القراءة الملتبسة وذلك تفاديا لما يمكن للإدارة الأمريكية أن تُلبس الألفاظ والمباني من معاني تتّكئ عليها لإصدار قرار عدائيّ أو خرق في تنفيذ التزاماتها وذلك بسبب تاريخ حافل من سوء الفهم العفوي أو المتعمد الذي نتجت عنه كوارث عالمية لعلّ من أشهرها

1. الكارثة النووية: أزمة كلمة "موكوساتسو" مع اليابان (1945)

قد لا يعلم أكثر الناس أنّ الكارثة النووية كانت بسبب ترجمة خاطئة اختلف المؤرخون في وصفها بالعفوية أو المتعمّدة. ففي يوليو 1945، أصدر الحلفاء بقيادة أمريكا "إعلان بوتسدام" الذي طالب اليابان بالاستسلام غير المشروط. ردّ رئيس الوزراء الياباني كانتارو سوزوكي بالقول إن ّحكومته تتبنى سياسة "موكوساتسو" (Mokusatsu) تجاه الإعلان. تحمل هذه الكلمة اليابانية معنيين: "الامتناع عن التعليق حالياً لـدراسة الأمر"، أو "التجاهل التام باحتقار". نقل المترجمون الأمريكيون الكلمة بالمعنى الثاني ("التجاهل باحتقار"). ما اعتبره الرئيس الأمريكي ترومان ردّا بالرفض القاطع، ولم تمض إلا أيام قليلة حتى أُعطيت الأوامر بإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي.

2. التورط العسكري: خداع الاستخبارات في خليج تونكين مع فيتنام (1964)

تسببت الترجمة الاستخباراتية الخاطئة في تبرير الدخول الرسمي والمباشر لأمريكا في حرب فيتنام.

ففي أغسطس 1964، اعترضت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) اتصالات لاسلكية للقوات الفيتنامية الشمالية. كان المعنى الأصلي لإحدى الجمل الفيتنامية يفيد بأنهم "ضحوا بزميلين" (أي فقدوا جنديين في مناوشات سابقة)؛ ترجمها اللغويون الأمريكيون إلى عبارة: "ضحوا بسفينتين". اعتمدت إدارة الرئيس "ليندون جونسون" على هذا التقرير المترجم بشكل خاطئ كدليل قاطع على أن فيتنام شنت هجوماً بحرياً ثانياً جديداً ومباشراً ضد المدمرات الأمريكية. بناءً على هذا الوهم، مرر الكونغرس "قرار خليج تونكين" الذي فجّر الحرب الشاملة.

تاريخ الأخطاء والخداع في المعاهدات الخاصة بالقضية الفلسطينية

تُعدّ القضية الفلسطينية مثالا صارخا للدور المضلل الذي مارسته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لصناعة الأزمات وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني من خلال صياغة النصوص وهندسة الترجمة. نقتصر في هذا المقال القصير على ثلاثة منها.

1. الخدعة الكبرى: حذف "الـ" التعريف في قرار مجلس الأمن 242 (عام 1967)

يُعتبر هذا المثال أشهر وأخطر تلاعب لغوي وترجمي في تاريخ الصراع، حيث ساهمت الدبلوماسية الأمريكية بالتعاون مع بريطانيا في صياغته. فقد كان الاقتراح الأمريكي ينصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من أي "أراضٍ احتلت" (territories occupied) في النزاع الأخير، دون استخدام أداة التعريف (the)، بينما تُرجمت العبارة إلى الفرنسية والعربية والروسية رسمياً بـ "الانسحاب من الأراضي التي احتلت" (des territoires occupés) مع وجود "أل" التعريف.

استغل الكيان الصهيوني النص الإنجليزي المدعوم أمريكيا للادعاء بأنّ القرار لا يلزمها بالانسحاب من "كل" الأراضي الفلسطينية والعربية، بل من "بعض" الأراضي فقط. ورغم تمسك الجانب الفلسطيني والعربي بالترجمة الفرنسية والعربية التي تؤكد على الانسحاب الشامل والتام فلا يزال هذا الخلاف اللفظي المقصود يعطّل تطبيق القانون الدولي إلى اليوم.

2. التلاعب بمصطلح "إعادة الانتشار" في اتفاقيات أوسلو والمذكرات اللاحقة (التسعينيات)

خلال رعاية الولايات المتحدة للمفاوضات، استعمل المترجمون والمستشارون القانونيون الأمريكيون مصطلحات إنجليزية فضفاضة تلتبس دلالاتها السياسية مقارنة بالنسخة العربية الموجهة للجانب الفلسطيني: ففي مقابل مصطلح (Redeployment) كانت الترجمة العربية "انسحاب"، بينما في الواقع القانوني الأمريكي والإسرائيلي، تعني الكلمة Redeployment مجرد "إعادة تموضع أو حركة تكتيكية للجيش من نقطة (أ) إلى نقطة (ب)" داخل نفس المنطقة وليس الجلاء عنها. استند الكيان لصهيوني إلى هذا الفهم للتهرب من إخلاء الضفة الغربية وذلك بنقل حواجزه وجنوده من مراكز المدن إلى أطرافها، فكان تطبيق الكيان للمصطلح هو الحصار عوض الانسحاب.

3. تحريف مصطلحات "القدس الشرقية" في خرائط ومقترحات التسوية (كامب ديفيد 2000)

خلال قمة كامب ديفيد الثانية برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، جرت أزمة ترجمة ومصطلحات حادة تتعلق بحدود مدينة القدس. طرح الجانب الأمريكي خلال قمة كامب ديفيد الثانية مقترحات تُرجمت للعربية على أنها تمنح الفلسطينيين سيادة على أجزاء من "القدس الشرقية". وقد تبيّن بعد تدقيق النصوص والخرائط من قِبل اللغويين والمستشارين الفلسطينيين أنهم تعرّضوا لخديعة تتعلق بحدود مدينة القدس فقد استعمل الأمريكيون مصطلحات إنجليزية يقصدون بها قرى نائية وضواحي خارج حدود القدس التاريخية المعترف بها (مثل بلدة أبو ديس)، مع تسميتها في المقترحات بـ "القدس" لتضليل المفاوض الفلسطيني وإقناعه بالتوقيع على التنازل عن البلدة القديمة والمسجد الأقصى.

هذه أمثلة قليلة من عدد هائل من الاتفاقيات التي تلاعب الأمريكان بصياغتها ومصطلحاتها ودلالاتها. بل إن أمريكا لا ترعوي حتى عن نكث العهود الواضحة ما أصبحت قوتها قادرة على صياغة الواقع بحسب مصالحها فقط لا حسب صياغة الاتفاقيات التي وقّعوا عليها سابقا. ويبدو أن المفاوض الإيراني يأخذ في اعتباره هذا التاريخ من الخداع في صياغة الاتفاقيات ومن النكث بالعهود وهو ما يجعل نسق المفاوضات بطيئا جدّا وغير مفهوم عند المفاوض الأمريكي بل عند ترامب نفسه إذ صرّح أنّ الإيرانيين يفاوضون لأسابيع عديدة في أمور لا يتجاوز التفاوض عليها أكثر من نصف ساعة.

تنويه تحريري: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

 








تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر