🎙آخر الأخبار
إعلان

حين يصبح البقاء في الوطن أصعب من الرحيل: من ضيق الخيارات إلى فقدان الثقة في المستقبل

31 أوت 2026

حين يصبح البقاء في الوطن أصعب من الرحيل: من ضيق الخيارات إلى فقدان الثقة في المستقبل

تأتي هذه المقالة للكاتب والنقابي السابق محمد العماري، مؤلف كتاب «الحركة النقابية في تونس خلال قرن 1924-2024: التحولات، الصراعات، الرهانات»، والمنشورة خصيصًا على منصة «مسارات»، في ظلّ تكرار حوادث الغرق المميتة في صفوف شباب تونسيين اختاروا ركوب البحر في رحلات هجرة غير نظامية، وآخرها الفاجعة التي طالت عددًا من أبناء بن قردان. وتحت عنوان «حين يصبح البقاء في الوطن أصعب من الرحيل: من ضيق الخيارات إلى فقدان الثقة في المستقبل»، يطرح العماري سؤالًا يتجاوز مأساة البحر نفسها: لماذا أصبح بعض الشباب يرون مستقبلهم خارج أوطانهم أكثر وضوحًا من مستقبلهم داخلها؟

محمد العماري-نقابي سابق وكاتب

على إثر فاجعة الغرق التي تعرّض لها عدد من شباب مدينة بن قردان، بالجنوب الشرقي لتونس، وما خلّفته من ألم عميق في نفوس عائلاتهم، يصعب أن نمرّ أمام هذه المأساة دون أن نتساءل: ما الذي يدفع شابًا إلى مواجهة البحر، وهو يعلم أن الطريق قد ينتهي بالموت، وأن الوصول لا يضمن بالضرورة حياة أفضل؟

ليست الهجرة دائمًا مجرد بحث عن عمل أو دخل أعلى. فقد تكون، في بعض الحالات، تعبيرًا عن ضيق الخيارات وفقدان الثقة في المستقبل. وهنا تبرز أسئلة تتجاوز مسؤولية الفرد: أين تبدأ مسؤولية المواطن، وأين تنتهي مسؤولية الدولة؟ ولماذا تبدو الهجرة لبعض شبابنا ضرورة أو مخرجًا، بينما لا تمثّل بالنسبة إلى المواطن السويسري، أو الغربي عمومًا، الخيار نفسه؟ وإذا هاجر، فما الذي يدفعه إلى ذلك؟ وكيف يختار طريقه؟

لعلّ الفارق لا يكمن في الرغبة في تحسين الحياة، فهي رغبة إنسانية مشتركة، وإنما في الظروف التي تجعل البقاء خيارًا مطمئنًا، أو تجعل الرحيل يبدو خلاصًا.

مستوى المعيشة يقلّل الحاجة إلى الهجرة

عندما يعيش الإنسان في بلد يوفّر له دخلًا مقبولًا، وخدمات جيدة، وأمنًا شخصيًا، وبنية تحتية متطورة، ونظامًا قانونيًا مستقرًا، فإن الدافع الاقتصادي لمغادرة بلده يكون أقل. فالمواطن السويسري، مثلًا، قد يشتكي من ارتفاع أسعار السكن أو الضرائب أو تكاليف الحياة، وقد لا يكون راضيًا عن حكومته أو عن بعض جوانب المجتمع. لكن السؤال الحاسم يبقى: هل ستكون حياتي فعلًا أفضل إذا غادرت؟

بالنسبة إلى كثير من المواطنين في الدول الغنية، لا توجد إجابة واضحة بـ«نعم». فمغادرة بلد مستقر قد تعني خسارة بعض المزايا، أو انخفاض الدخل، أو الابتعاد عن الأسرة والأصدقاء، أو مواجهة لغة وثقافة ونظام اجتماعي جديد. ولهذا لا يرى المواطن في بلد غني بالضرورة أن الخارج هو «الحل» لمشكلاته.

قوة الدولة والمؤسسات تصنع الثقة في المستقبل

الاقتصاد وحده لا يفسّر الظاهرة. فهناك عامل أعمق يتمثّل في طبيعة النظام السياسي والمؤسسات التي يعيش المواطن في ظلها. ليس المهم فقط أن يكون النظام ديمقراطيًا أو غير ديمقراطي، وإنما أن يشعر المواطن بأن حياته ومستقبله محكومان بقواعد واضحة ويمكن التنبؤ بهما. فإذا كان القانون يحميه، وممتلكاته مصونة، ويستطيع العمل وتأسيس مشروع، ويحصل على قدر معقول من الخدمات، ويمكن حلّ الخلافات السياسية بطرق سلمية، فإنه يستطيع أن يخطط لمستقبله بثقة أكبر.

وقد يكون هذا المواطن غير راضٍ عن حكومته، لكنه لا يشعر بالضرورة بأنه مضطر إلى مغادرة بلده. وهنا يجب التمييز بين عدم الرضا عن الحاضر وفقدان الثقة في المستقبل.

قد يقول شخص: «أنا لا أحب الحكومة الحالية»، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما يقول: «لا أرى أي مستقبل لي ولأبنائي هنا». عندها تتحول الهجرة من مجرد فكرة إلى احتمال جدي.

الاستقرار يقلّل جاذبية الهجرة

يؤدي الاستقرار السياسي والاجتماعي دورًا مهمًا في تقليل الرغبة في الهجرة. فعندما يشعر الإنسان بالأمان، ويثق نسبيًا في مؤسسات الدولة، ويملك فرصة للعمل، ويستطيع أن يتوقع، إلى حدّ معقول، ما سيكون عليه مستقبله، يصبح لديه سبب قوي للبقاء. فالإنسان لا يبحث عن المال فقط، بل يبحث أيضًا عن الأمان والاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل.

ولهذا قد يكون شخص أقل ثراء، لكنه يعيش في مجتمع مستقر ويشعر بأن مستقبله قابل للتحسن، أكثر تمسكًا بالبقاء من شخص أكثر ثراء يعيش في حالة من عدم اليقين السياسي والاجتماعي. والعكس صحيح. فعندما يعاني المجتمع من عدم الاستقرار السياسي، وضعف المؤسسات، والفساد، والبطالة، وتدهور الخدمات، وغياب العدالة، أو تصاعد الصراعات الاجتماعية، يبدأ الإنسان في فقدان الثقة في المستقبل. عندها لا تعود الهجرة مجرد بحث عن راتب أعلى، بل قد تصبح بحثًا عن مكان يمكن فيه بناء مستقبل أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ. وهذا يفسّر لماذا قد يقرر شخص لديه عمل ودخل مقبول أن يهاجر؛ فهو لا يهرب بالضرورة من الفقر، وإنما قد يهرب من عدم اليقين ومن فقدان الأمل في المستقبل.

الفقر وحده لا يفسّر الهجرة

من الخطأ اختزال العلاقة في معادلة بسيطة تقول: الفقر يساوي الهجرة. فالهجرة تحتاج هي الأخرى إلى إمكانات: المال، والمعلومات، والعلاقات، والقدرة على تحمل المخاطر. ولذلك قد يكون الإنسان شديد الفقر راغبًا في الهجرة، لكنه غير قادر عليها.

بل إن تحسن الوضع الاقتصادي في بعض البلدان الفقيرة قد يؤدي، بصورة مؤقتة، إلى زيادة الهجرة، لأن الناس يصبحون أكثر قدرة على تحمل تكاليفها، وأكثر اطلاعًا على الفرص المتاحة في الخارج. لذلك ينبغي التمييز بين الرغبة في الهجرة والقدرة على الهجرة.

الهجرة: اختيار أم اضطرار؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة. الغربيون يهاجرون أيضًا، وليس صحيحًا أنهم لا يفكرون في الهجرة. لكن الهجرة بالنسبة إلى المواطن الذي يعيش في بلد مستقر وغني تكون، في الغالب، قرارًا بين عدة خيارات: قد يهاجر من أجل وظيفة أفضل، أو الدراسة، أو خوض تجربة جديدة، أو الحصول على راتب أعلى، أو رغبة في تغيير نمط حياته.

أما عندما تصبح الهجرة بالنسبة إلى شخص آخر وسيلة للخروج من البطالة، أو ضعف الخدمات، أو غياب الفرص، أو فقدان الثقة في المستقبل، فإن طبيعتها تتغير. فهي لا تعود مجرد رغبة في تحسين الحياة، وإنما تصبح محاولة للعثور على حياة يمكن التنبؤ بها وبناؤها.

ومن هنا نفهم أن المسألة ليست ببساطة أن هذا يحب بلده وذاك لا يحب بلده، ولا أن المواطن الغربي أقل طموحًا أو أقل رغبة في تحسين حياته. الفرق، في كثير من الأحيان، هو أن أحدهما يشعر بأن لديه أسبابًا معقولة للبقاء، بينما يشعر الآخر بأنه مضطر إلى البحث عن أسباب للحياة في مكان آخر.

حين يصبح المستقبل خارج الوطن أكثر وضوحًا

في النهاية، لا يكمن الفرق بين المواطن الغربي ومواطن الدول النامية في أن الأول «لا يريد الهجرة» بينما الثاني «يريدها». الفرق الأعمق هو أن الإنسان، عندما يشعر بأن بلده يوفّر له الأمن والاستقرار والكرامة وإمكانية بناء المستقبل، يصبح البقاء خيارًا جذابًا. أما عندما يشعر بأن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي يمنعه من بناء مستقبل واضح، فإن الخارج يصبح أكثر جاذبية، حتى وإن كان الطريق إليه محفوفًا بالمخاطر.

لذلك فإن الهجرة ليست دائمًا هروبًا من الفقر، بل قد تكون أيضًا هروبًا من الخوف من مستقبل مجهول. وربما يكون السؤال الأهم، بعد كل مأساة من مآسي البحر، ليس فقط: لماذا يهاجر الناس؟ بل: لماذا أصبح بعض الناس يرون مستقبلهم خارج أوطانهم أكثر وضوحًا من مستقبلهم داخلها؟

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر