🎙آخر الأخبار
إعلان

حين تُختطف المفاهيم.. كتاب جديد يفكك معركة المعنى في الثقافة العربية الإسلامية

9 أوت 2026

حين تُختطف المفاهيم.. كتاب جديد يفكك معركة المعنى في الثقافة العربية الإسلامية

هل الكلمات التي شكّلت الوعي العربي والإسلامي تظلّ حاملة لمعانيها الأصلية، أم تصبح، مع تحولات التاريخ وموازين القوة، أوعية لدلالات جديدة قد تنقلب أحيانًا على دلالاتها الأصلية؟

مسارات - الحسين المختار بن عمر

الكتاب: إشكالية العلاقة بين العلامة والمتصور: دراسة في تشكل المفهوم وتحولاته في الثقافة العربية الإسلامية

المؤلف: د. محمّد التومي

الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع والطباعة، تونس

الطبعة الأولى: جوان-حزيران 2026

عدد الصفحات:  339 صفحة


لم يعد من قبيل الاكتشاف القول إنّ الصراع الفكري المعاصر لا يدور حول الأفكار والمواقف فحسب، بل يمتد إلى المفاهيم نفسها، وإلى من يمتلك سلطة تعريفها وإعادة تشكيل دلالاتها، خصوصًا حين تنتقل من سياق حضاري إلى آخر. وهو ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت الكلمات التي شكّلت الوعي العربي والإسلامي تظلّ حاملة لمعانيها الأصلية، أم تصبح، مع تحولات التاريخ وموازين القوة، أوعية لدلالات جديدة قد تنقلب أحيانًا على دلالاتها الأصلية.

في هذا الإطار، يتنزّل كتاب «إشكالية العلاقة بين العلامة والمتصور: دراسة في تشكل المفهوم وتحولاته في الثقافة العربية الإسلامية»، للباحث الدكتور محمد التومي، ضمن مشروع أوسع يروم «بناء المفاهيم». ويتتبع الكتاب عددًا من المفاهيم المركزية في الثقافة العربية الإسلامية، باحثًا في مسارات تشكلها وتحولاتها وما لحق بها من انزياحات دلالية.

ويتوقف التومي، في ثمانية فصول، عند ثمانية مفاهيم وقضايا محورية: الجاهلية، والعصبية، والطاعة، والفتنة، والبدعة، والاتباع والإبداع، والحداثة، والتعايش الحضاري. وهي، في مقاربة المؤلف، ليست جزرًا مفاهيمية منفصلة، وإنما حلقات ضمن مسار أوسع يكشف علاقة المصطلح بالسياق التاريخي والثقافي وبموازين القوة المنتجة للمعرفة

تتبع المصطلح من النص المؤسس إلى الاختطاف الاستشراقي

يتمثل المنهج الذي يسلكه الدكتور التومي في تتبع أثر هذه المصطلحات منذ لحظة ولادتها في النص المؤسس (القرآن الكريم والسنة النبوية)، مرورا بتشكلها في كتب التفسير والفقه والأدب، وصولا إلى لحظة الاختطاف الاستشراقي باسم الحداثة، حيث أعيد تعريف هذه المصطلحات والمفاهيم فأصبحت "العصبية" تفسيرا للتاريخ، و"الطاعة" نقدا للاستبداد أو تأصيلا للخضوع وتأليه الحاكم، وصارت "الفتنة" توصيفا لعدم القدرة على الديمقراطية، أو حلا سحريا لترذيل الثورات ضد الأنظمة الدكتاتورية.

ومن خلال هذا التتبع، يذهب المؤلف إلى أن من أخطر ما تعانيه الثقافة العربية الإسلامية في العصر الحديث ما يسميه "استلاب المفاهيم"، وهو استلاب لا يقتصر، في تقديره، على استنزاف الثروات والمقدرات، بل يتعداه إلى الاستحواذ على الخطاب الفكري، واختطاف المفاهيم المركزية وإعادة تعريفها داخل الثقافات المهيمنة، بعد تغليفها بمياسم الحداثة.

مقاربة نقدية للمفهوم الحداثي

لا يكتفي الكتاب بالتنقيب في جذور المصطلحات، بل يقدم مقاربة نقدية حادة لمفهوم الحداثة نفسه، ذلك المفهوم الذي أخذ مكانه اليوم في حقل المفاهيم الرجراجة والمعقدة. فالحداثة الغربية، كما يراها المؤلف، لم تكن مجرد مجموعة من التغييرات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي حدثت في أوروبا، بل كانت قطيعة مع الماضي وتجاوزا للتراث، وقد استعاضت عن دينها الذي كفلته الكنيسة بـ"دين الحداثة" بما هو تأليه للإنسان وكفر برب الإنسان.

وإذا كان مفهوم الحداثة يعاني من الغموض والتعقيد في بنية الفكر الغربي الذي أنتجه، فإن المؤلّف يرى أنّ الغموض يزداد في دائرة الثقافة العربية الإسلامية، بالنظر إلى ما يعتبره محاميل إيديولوجيّة التصقت بالمفهوم، وارتبط بعضها بمواقف من الهوية والتاريخ والدين في بعده الإسلامي. وقد حاول بعض المحدثين تبيئة هذا الوافد في المجال التداولي العربي الإسلامي، رافعين لواء نزعة تغريبية ترى أن مفاتيح النهضة في النهل من منابع التحديث الغربي، في حين تصدى آخرون لهذه النزعة، رافضين الانخراط غير الفاعل في موجة الحداثة.

مشروع بناء المفاهيم: من التأصيل إلى التحرير

يمثل هذا الكتاب جزءا من موسوعة "بناء المفاهيم" التي شارك فيها الدكتور التومي، والتي صدرت بإشراف مركز الفكر الإسلامي والدراسات المعاصرة بإسطنبول. وتتمثل غاية هذا المشروع في تحرير المفاهيم مما لحقها من أخلاط كان للسياسة فيها نصيب، وإعادتها إلى أصولها الأولى، "إن من يملك تعريف المفاهيم يملك توجيه التاريخ".

وهذه العودة إلى الأصول ليست دعوة إلى التحنيط أو الانكفاء على الماضي، بل هي محاولة لإعادة تفعيل هذه المفاهيم بما هي أدوات حية لفهم الواقع واستشراف المستقبل. فالكتاب يقدم قراءة في تشريح الانزياح الدلالي، ومحاولة لإنقاذ الفكري من قبضة المصطلح المغترب.

قضايا الكتاب المركزية

يمكن إجمال القضايا التي يثيرها الكتاب في النقاط التالية:

 أولاً: إشكالية الانزياح الدلالي: كيف تحولت المفاهيم من أوعية فكرية إلى أدوات خطابية تخدم رؤى ليست من صلب الثقافة العربية الإسلامية؟ وكيف أصبحت "الحداثة" التي قدمتها الثقافة الغربية، شعارا أيديولوجيا يحمّل التراث جزءا بالغا من الهزيمة الحضارية؟

ثانياً: صراع الأصالة والمعاصرة: يطرح الكتاب سؤال النهضة الذي طالما شغل المفكرين العرب والمسسلمين: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ لكنه يذهب إلى أن السؤال الحقيقي هو: لماذا تأخر العرب عن الركب الحضاري، في حين تقدم كل من عدا هم من الشعوب؟

ثالثاً: نقد الحداثة من الداخل: يناقش الكتاب الأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية، مبرزا تناقضاتها، خاصة في مجال العقلنة والتمركز حول الذات والعلموية. كما يقدم قراءة نقدية لنظرية ما بعد الحداثة وما صاحبها من نقض لقيم الحداثة نفسها.

رابعاً: التعايش الحضاري بين التأصيل والتنزيل: يعالج الكتاب إشكالية التعايش الحضاري في ظل صعود خطابات الصدام والكراهية، مبرزا أن مبدأ التعارف، كما ورد في القرآن الكريم، هو البديل الحضاري الأكثر أصالة عن مفهوم التعايش الغربي المشوب بالهيمنة.

العلامة والمتصور» في حقل الدراسات المصطلحية والنقد الحضاري

يمثل كتاب "إشكالية العلاقة بين العلامة والمتصور" إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الدراسات المصطلحية والنقد الحضاري. فهو لا يقتصر على الجانب الوصفي أو التأريخي، بل يقدم مشروعا نقديا طموحا يسعى إلى إعادة الاعتبار للمفاهيم الإسلامية بوصفها أدوات معرفية ومنهجية قادرة على مجاراة التحولات الراهنة، والرد على تحديات الحداثة الغربية من موقع الندية والثقة بالذات.

ويتميز الكتاب بمنهجه التكاملي الذي يجمع بين التأصيل الشرعي، والتحليل اللغوي، والمقاربة التاريخية، والنقد الفلسفي، مما يجعله مرجعا مهما للباحثين في حقول الدراسات الإسلامية، وفلسفة الثقافة، والنقد الحضاري.


إن هذا الكتاب، بمقاربته النقدية الجريئة، يضع أصبعه على الجرح النازف في الثقافة العربية المعاصرة: أزمة المفاهيم التي لم تعد تعبر عن ذاتها، بل صارت مرآة مشوهة لرؤى الآخرين وتصوراتهم.

ولعل القيمة العلمية لهذا العمل لا تقف عند حدود التحليل الدقيق لتشكل المصطلحات وتحولاتها، بل تتعداه إلى تقديم نموذج منهجي في كيفية التعامل مع التراث المفاهيمي للأمة، نموذج يقوم على الجمع بين الأمانة العلمية في التتبع التاريخي، والشجاعة النقدية في كشف التزييف والانزياح، والرؤية المستقبلية في إعادة التأهيل والتفعيل. وهذا ما يمنح الكتاب مصداقيته الأكاديمية وقيمته الإستراتيجية معا.

وإذا كان المستشرقون والمتنفذون في دوائر الهيمنة الثقافية قد نجحوا، على مدى قرون، في اختطاف مصطلحات الأمة وإعادة صياغتها بما يخدم مشاريعهم الاستعمارية، فإن مشروع بناء المفاهيم التي يرفع لواءها مركز الفكر الإسلامي والدراسات المعاصرة باسطنبول. ويمثل هذا الكتاب جزءا أصيلا من مشروع التحرر المعرفي، ليفتح الطريق أمام جيل جديد من الباحثين العرب والمسلمين لاستعادة زمام المبادرة، وإعادة بناء المنظومة المفاهيمية على أسس أصيلة، مع الانفتاح الواعي على متغيرات العصر دون ذوبان أو تبعية.

إنَّ الرسالة التي يحملها هذا الكتاب تتجاوز حدود المختبر الأكاديمي إلى آفاق أوسع؛ فهي رسالة ثقة بالذات ووعي بالتاريخ وإيمان بقدرة الأمة على تجاوز محنتها الراهنة من خلال العودة إلى ينابيعها المعرفية الأصيلة، واستعادة أدواتها في التفكير والبناء. وكما يقول المؤلف في خاتمة كتابه: "إن معركة النهضة الحقيقية تبدأ من تحرير العقول، وأن تحريرها مرتكزه مفاهيمي بالأساس".

وبذلك، يظل هذا الكتاب، بما حمله من رؤية نقدية وجهد تحليلي، دعوة مفتوحة للمشتغلين بالشأن الفكري والثقافي، للانخراط في مشروع تحرير المفاهيم من قبضة الاغتراب، واستعادة البوصلة التي ضلّت طريقها في ظلمات التبعية والانبهار. إنه لبنة في صرح النهضة المنشودة، وخطوة على طريق استعادة "مدينة المفاهيم المسلوبة أسماؤها"، حيث تصبح الكلمات من جديد أوعية للحقيقة، وأدوات للتحرير، وجسورا نحو مستقبل مشرق للأمة العربية والإسلامية.

 


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر