خصيصا لـ"مسارات". محمد المولهي- كاتب صحفي
في السياسة، لا يكفي أن تمتلك الأفكار الأكثر جاذبية أو الشعارات الأكثر راديكالية لتكسب ثقة المجتمع. فالمعيار الحاسم في كثير من الأحيان ليس مدى التزام السياسي بعقيدته الإيديولوجية، بل قدرته على تحويل أفكاره إلى حلول ملموسة تستجيب لتطلعات الناس وتغيّر واقعهم.
ولعلّ تجربة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا تقدّم أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فلم يكن نجاحه انتصارًا لليسار الجذري بقدر ما كان انتصارًا ليسار أدرك أن الطريق إلى السلطة لا يمرّ عبر فرض العقيدة الإيديولوجية على المجتمع، وإنما عبر إقناعه بالقدرة على تحسين أوضاعه.
لم يسعَ لولا إلى إسقاط الرأسمالية، بل اختار نهجًا يساريًا اجتماعيًا براغماتيًا، يجمع بين دور الدولة في تقليص الفوارق الاجتماعية والانفتاح على التحالفات الضرورية للحكم. ولم يطلب من البرازيليين أن يصبحوا ماركسيين، بل راهن على أن يصبح الفقراء أقل فقرًا، والمهمّشون أقل تهميشًا.
وهنا يتجلّى أحد أهم دروس هذه التجربة: فالناخب لا يصوّت بالضرورة لمن يشبهه إيديولوجيًا، بل لمن يثق في قدرته على تحسين حياته.
حين تتجاوز الأحزاب حدود قواعدها الإيديولوجية
ولا تقتصر هذه المعادلة على تجارب اليسار في أمريكا اللاتينية، بل يمكن العثور على ملامح منها في تجارب سياسية تنتمي إلى مرجعيات مختلفة، من بينها تجربة حزب العدالة والتنمية التركي خلال مراحل صعوده. فقد استطاع حزب ذو مرجعية إسلامية استقطاب قطاعات تجاوزت قاعدته المحافظة، بمن فيهم ناخبون لا يتبنّون مرجعيته الدينية، لأنهم رأوا فيه خيارًا للتنمية وتحسين الخدمات والاستقرار.
لم يكن كل من صوّت له إسلاميًا، مثلما لم يكن كل من عارضه علمانيًا. فالهوية لم تمنع التنافس على الإنجاز، وإن كانت التجربة نفسها قد كشفت لاحقًا مخاطر تركيز السلطة والتراجع الديمقراطي.
لسنا، إذن، أمام نموذجين متطابقين، بل أمام درس مشترك: يستطيع الحزب أن يحتفظ بمرجعيته، لكنه لا يستطيع أن يحكم مجتمعًا متنوعًا بمجرد مطالبة أفراده باعتناقها.
من التنافس الإيديولوجي إلى الخصومة مع المجتمع
تكتسب المقارنة بين التجربتين البرازيلية والتركية أهميتها عند إسقاطها على الواقع السياسي التونسي، ولا سيما على علاقة بعض تيارات اليسار بالمجتمع الذي تسعى إلى تمثيله.
فهذه العلاقة لم تظل دائمًا في حدود الاختلاف السياسي أو التنافس بين المشاريع الفكرية، بل اتخذت أحيانًا طابعًا ثقافيًا وهوياتيًا أكثر حدّة.
فقد انزلق جزء من اليسار التونسي، في بعض قطاعاته، من مخاصمة الإسلام السياسي إلى معاداة الدين والهوية، وخلط بين نقد توظيف المقدّس وازدراء المقدّسات، وبين الدفاع عن الحريات الفردية واحتقار الأخلاق المحافظة، وبين الحداثة وفرض وصاية ثقافية على المجتمع.
وهكذا صار بعضه يتحدث باسم العمال والعاطلين والمهمّشين، فيما يخوض معاركه الأكثر حدّة ضد منظومة القيم التي ينتمي إليها قسم واسع منهم.
يريد من الفقير أن يثق به، لكنه يستخفّ بوعيه، ويزعم الدفاع عن الشعب، ثم يتّهمه بالرجعية حين لا يصوّت له.
المشكلة ليست في العلمانية، ولا في نقد الخطاب الديني، ولا في الدفاع عن حقوق النساء والأفراد، بل في تحويل هذه القضايا إلى معيار للتفاضل الأخلاقي بين نخبة تزعم امتلاك الوعي وجمهور تتّهمه بالتخلّف.
عندها لا يعود اليسار قوة لتحرير المجتمع، بل قوة تريد إعادة تشكيله وفق صورتها، قبل أن تقنعه بأنها قادرة على تحسين شروط حياته.
أزمة الثقة قبل أزمة النتائج الانتخابية
ولا تقف آثار هذه القطيعة عند حدود الاختلاف الثقافي، بل تمتد إلى علاقة بعض تيارات اليسار بالناخبين وإلى الطريقة التي تقرأ بها نتائجها الانتخابية.
فالأدهى أن بعض هذه التيارات يفسّر هزائمه الانتخابية بجهل الناخبين أو تضليلهم، لا بعجزه عن بناء الثقة وتقديم بدائل ملموسة. وكأن الجماهير مطالبة بمكافأته على نقاء شعاراته، لا بمحاسبته على جدوى برامجه.
إن أزمة هذا اليسار لا تكمن فقط في خسارته الانتخابات، بل في خسارته المجتمع الذي يزعم تمثيله. غير أن تجاوز هذه الأزمة لا يقتضي التخلي عن المبادئ أو التنكر للمرجعية الفكرية، بقدر ما يتطلب مراجعة العلاقة بين القناعات الإيديولوجية والواقع الاجتماعي. فليس مطلوبًا من اليسار أن يتخلّى عن مبادئه كي يفوز، بل أن يميّز بين الثبات على القيم والجمود الإيديولوجي، وبين العلمانية التي تحمي حرية الاعتقاد والعلمانوية التي تستعلي على المتديّنين. فالعامل المتديّن يستطيع أن يكون منحازًا إلى العدالة الاجتماعية، والمحافظ اجتماعيًا يستطيع أن يرفض الاستبداد، والعلماني يستطيع أن يصوّت لحزب ذي مرجعية إسلامية إذا اقتنع بقدرته على الإنجاز.
السياسة بين نقاء الشعارات والقدرة على الإنجاز
من هذه الزاوية، تبدو العودة إلى تجربتي لولا دا سيلفا وحزب العدالة والتنمية التركي أكثر من مجرد مقارنة بين نموذجين سياسيين مختلفين. إنها مناسبة لإعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والبرنامج السياسي، وبين ما تؤمن به الأحزاب وما ينتظره منها المواطنون.
فلولا لا يثبت انتصار اليسار الجذري، والعدالة والتنمية ليس نموذجًا معصومًا، لكن التجربتين تضعان اليسار التونسي أمام سؤال موجع: هل يريد أن يكسب المجتمع، أم يريد أن يدينه لأنه لم يصبح نسخة منه؟ فالسياسة ليست امتحانًا في نقاء العقيدة، والانتخابات ليست مسابقة في صحة المقولات الإيديولوجية.
ومن يعادي هوية الناس ثم يطلب أصواتهم، ويحتقر اختياراتهم ثم يزعم تمثيلهم، سيظل يربح المعارك في قاعات النخب ويخسرها في الأحياء الشعبية ومواقع العمل وطوابير العاطلين. فالطريق إلى قلب الكادح لا يمر بالضرورة عبر تغيير عقيدته، بل عبر تغيير شروط حياته.
===
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


