🎙آخر الأخبار
إعلان

أزمة السجون في تونس: حين يصبح الاكتظاظ مرآة لاختلال العدالة

18 أكتوبر 2026

أزمة السجون في تونس: حين يصبح الاكتظاظ مرآة لاختلال العدالة

في هذا المقال الذي كتبه خصيصًا لـ«مسارات»، يقدّم الناشط الحقوقي حسين بوشيبة قراءة نقدية لأزمة السجون التونسية، متجاوزًا ظاهر الاكتظاظ إلى جذوره التشريعية والقضائية، ومثيرًا قضايا الإيقاف التحفظي وسجناء الرأي والعقوبات البديلة وإعادة الإدماج. وينطلق الكاتب من فكرة محورية مفادها أن إصلاح السجون لا يبدأ من بناء مزيد من الزنازين، بل من إصلاح منظومة العدالة نفسها، بما يضمن حماية المجتمع وصون الكرامة الإنسانية في آن واحد.

حسين بوشيبة – ناشط حقوقي

لم يعد الاكتظاظ داخل السجون التونسية مجرد مشكلة لوجستية تتعلق بعدد الأسرّة أو بقدرة المؤسسات السجنية على استيعاب أعداد متزايدة من النزلاء، بل أصبح مؤشرًا على اختلالات أعمق في المنظومة الجزائية والقضائية والتشريعية، وعلى الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة للسياسة الجنائية في تونس.

فبحسب المعطيات المتداولة، يناهز عدد نزلاء السجون 33 ألف سجين وسجينة، في حين تتراوح طاقة الاستيعاب الرسمية بين 17 و18 ألف مكان. وإذا تأكدت هذه الأرقام، فإننا أمام اكتظاظ يقترب من ضعف الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية.

كما أن ارتفاع عدد السجناء بنحو عشرة آلاف خلال أربع سنوات لا يمكن اختزاله في نقص البنية التحتية، بل يستوجب البحث في الأسباب التي أدّت إلى هذا الارتفاع، وفي كيفية اشتغال العدالة الجزائية، ومدى التوسع في اللجوء إلى الإيقاف التحفظي والعقوبات السالبة للحرية، ونجاعة البدائل القانونية المتاحة.

وتزيد محدودية البيانات الرسمية المحيّنة، والمنشورة بصفة منتظمة، من صعوبة تقييم الوضع بدقة. لذلك، ينبغي أن تكون الشفافية الإحصائية جزءًا أساسيًا من الإصلاح، عبر نشر معطيات دورية حول أعداد السجناء، والطاقة الاستيعابية، ونسب الإيقاف التحفظي، ومدد الاحتجاز، وأنواع العقوبات، ونسب العود إلى الجريمة، فضلًا عن الخدمات الصحية والاجتماعية وبرامج إعادة الإدماج.

الاكتظاظ السجني: أزمة كرامة إنسانية لا مجرد أرقام

وراء كل رقم إنسان، وظروف احتجاز، وأسرة تتأثر بتداعيات السجن. فعندما تستقبل المؤسسات السجنية أعدادًا تفوق طاقتها الاستيعابية بصورة كبيرة، ينعكس ذلك مباشرة على الحق في ظروف احتجاز إنسانية تحفظ الكرامة، وعلى مستويات النظافة والتهوئة والرعاية الصحية والنفسية والخصوصية.

كما يؤدي الاكتظاظ إلى زيادة الضغط على أعوان السجون وإداراتها، ويجعل توفير التعليم والتكوين والتأهيل النفسي والاجتماعي وبرامج إعادة الإدماج أكثر صعوبة.

وهكذا يتحول الاكتظاظ من مشكلة إدارية إلى قضية حقوقية، عندما تعجز ظروف الاحتجاز عن ضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والحقوق التي يكفلها القانون والمعايير الدولية.

إصلاح السجون يبدأ من القضاء لا من بناء الزنازين

من الخطأ النظر إلى أزمة السجون باعتبارها أزمة مؤسسات سجنية فحسب. فالسجن، في نهاية المطاف، هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بالتشريع، وتمر بالبحث والتحقيق والنيابة العمومية والقضاء، وصولًا إلى تنفيذ الأحكام.

ولهذا، فإن إصلاح المنظومة السجنية يجب أن يكون جزءًا من إصلاح شامل للمنظومة القضائية والتشريعية.

فكلما توسّع اللجوء إلى الإيقاف التحفظي، وطالت آجال المحاكمات، وضعفت نجاعة بدائل السجن، ازداد الضغط على المؤسسات السجنية.

وتقتضي معالجة الاكتظاظ ضمان أن يكون الحرمان من الحرية مستندًا إلى القانون، وضروريًا ومتناسبًا، وأن يظل الإيقاف التحفظي إجراءً استثنائيًا لا يتحول عمليًا إلى عقوبة سابقة لصدور الحكم.

وهنا تبرز أهمية احترام معايير المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها قرينة البراءة، وحقوق الدفاع، والحق في المحاكمة أمام قضاء مستقل ومحايد، وفي أجل معقول، والحق في الطعن وفق الضمانات القانونية.

فكل تأخير غير مبرّر في الفصل في القضايا لا يمثل مجرد إخلال بنجاعة القضاء، بل يمكن أن يتحول إلى عامل مباشر في ارتفاع أعداد الموقوفين وتفاقم الاكتظاظ داخل السجون.

مراجعة التشريعات: نحو سياسة جزائية أكثر عدلًا وتناسبًا

لا يمكن معالجة أزمة السجون دون مراجعة التشريعات التي تحدّد السياسة الجزائية وتؤثر في حجم الفئات المشمولة بالعقوبات السالبة للحرية.

والمطلوب ليس تخفيف العقوبات بصورة عشوائية، وإنما اعتماد سياسة تشريعية أكثر عقلانية وتناسبًا، تميّز بين الجرائم الخطيرة التي تستوجب حماية المجتمع، والأفعال التي يمكن التعامل معها من خلال عقوبات بديلة أو تدابير إصلاحية واجتماعية.

كما ينبغي توسيع نطاق تطبيق العقوبات والتدابير غير السالبة للحرية، وتفعيلها في الحالات التي يجيزها القانون، حتى لا يصبح السجن الخيار التلقائي في كل القضايا، بما فيها تلك التي لا تستدعي بالضرورة الحرمان من الحرية.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة مراجعة النصوص التي قد تؤدي إلى التوسع غير المبرّر في التجريم والعقاب، والتأكد من انسجامها مع الدستور والالتزامات الدولية لتونس في مجال حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

سجناء الرأي والمرسوم 54: اختبار لواقع الحقوق والحريات

لا يمكن الحديث عن إصلاح المنظومة الجزائية دون التوقف عند قضايا الأشخاص الذين تتم ملاحقتهم أو إيقافهم على خلفية ممارسة حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة مراجعة أوضاع الموقوفين والمحكوم عليهم في القضايا المرتبطة بالمرسوم عدد 54، مع ضمان احترام القانون ومعايير المحاكمة العادلة، والتحقق في كل حالة من مدى توافر المبرّرات القانونية للإيقاف واستمرار الاحتجاز.

كما يمثّل تنقيح المرسوم 54 فرصة لإعادة النظر في الأحكام المثيرة للجدل، والتأكد من احترام مبدأ الشرعية، ووضوح النصوص، والتناسب بين الأفعال والعقوبات، وعدم توظيف التشريع على نحو يؤدي إلى تقييد الحقوق والحريات المكفولة دستوريًا ودوليًا.

وفي تقديري، فإن طرح تنقيح هذا المرسوم يعكس الحاجة إلى الاعتراف بما شاب تطبيقه من مظالم واختلالات، وما أثاره من مخاوف جدية بشأن حماية حرية التعبير.

وفي السياق السياسي والاجتماعي الراهن، أرى أن إصدار عفو عام يشمل المسجونين على خلفية ممارسة حرية الرأي والتعبير، وفق ضوابط قانونية واضحة، يمكن أن يشكّل خطوة نحو خفض الاحتقان السياسي والاجتماعي، فضلًا عن المساهمة في تخفيف الضغط على المؤسسات السجنية.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا المطلب باعتباره إعفاءً عامًا من المسؤولية عن كل فعل مخالف للقانون، وإنما دعوة إلى مراجعة القضايا المرتبطة بممارسة الحقوق والحريات الأساسية، ووضع حد للملاحقات والعقوبات التي لا تتناسب مع مقتضيات حمايتها.

 السجين إنسان قبل أن يكون رقمًا في الإحصائيات

الإصلاح السجني لا يعني فقط توفير مزيد من الأسرّة أو توسيع طاقة الاستيعاب. فالسجين، حتى عندما يكون محكومًا عليه بعقوبة سالبة للحرية، لا يفقد صفته الإنسانية ولا حقوقه الأساسية.

ومن الضروري ضمان الرعاية الصحية والنفسية، وتحسين ظروف الإقامة، وتوفير التعليم والتكوين المهني، وإعداد برامج جدية لإعادة الإدماج، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات التي تحتاج إلى حماية أو رعاية إضافية، ومن بينها النساء السجينات.

وتشير معطيات متداولة إلى أن عدد السجينات في تونس يبلغ نحو ألف سجينة، وهو ما يبرز أهمية اعتماد سياسات تراعي خصوصيات النساء داخل المؤسسات السجنية، واحتياجاتهن الصحية والاجتماعية والأسرية.

وفي هذا الإطار، أقترح تمكين كل سجين أو سجينة، منذ لحظة الإيداع بالمؤسسة السجنية، من دليل مبسّط للحقوق والواجبات، يوضّح النظام الداخلي للسجن، وشروط الزيارة والاتصال بالعائلة، وحقوق الرعاية الصحية، وكيفية تقديم الشكاوى والتظلمات، والآليات القانونية المتاحة لحماية الحقوق.

وتجدر الإشارة إلى وجود «دليل السجين» الصادر في إطار شراكات مع منظمات دولية، والمتاح عبر الموقع الإلكتروني للإدارة العامة للسجون والإصلاح.

ويمكن تطوير هذا الدليل وتحيينه وضمان وصوله الفعلي إلى جميع السجناء والسجينات، بما يمكّنهم من معرفة حقوقهم وواجباتهم منذ اليوم الأول للإيداع.

من العقاب إلى الإصلاح: إعادة الإدماج معيار نجاح المنظومة السجنية

لا ينبغي أن يكون السجن مجرد مكان لتنفيذ العقوبة، بل يجب أن يكون أيضًا فضاءً للإصلاح والتأهيل والاستعداد للعودة إلى المجتمع، في حدود ما تسمح به طبيعة العقوبة والوضعية القانونية لكل سجين. غير أن الاكتظاظ يجعل تحقيق هذه الوظيفة أكثر صعوبة. فكلما ارتفع عدد السجناء دون زيادة موازية في الموارد البشرية والخدمات، أصبحت المؤسسة السجنية منشغلة بإدارة الأعداد والاحتياجات اليومية أكثر من اهتمامها بالتأهيل وإعادة الإدماج.

ولذلك، لا ينبغي قياس نجاح المنظومة السجنية بعدد المؤسسات والأسرّة المتاحة فحسب، بل أيضًا بقدرتها على خفض معدلات العود إلى الجريمة، وتوفير التكوين المهني، وتحسين الصحة النفسية، ومساعدة السجين على استعادة مكانته داخل المجتمع بعد انتهاء العقوبة.

فإعادة الإدماج ليست امتيازًا يُمنح للسجين، وإنما وظيفة أساسية من وظائف السياسة العقابية الحديثة، واستثمار في أمن المجتمع واستقراره على المدى الطويل.

الوقاية من الجريمة: معالجة الأسباب قبل الاكتفاء بالعقاب

لا ينفصل إصلاح السجون عن بناء سياسة وطنية فعّالة للوقاية من الجريمة. ففي ملف المخدرات، مثلًا، من الضروري التمييز بين الشخص الذي يعاني من الإدمان ويحتاج إلى العلاج والمرافقة الصحية والنفسية والاجتماعية، وبين المروّجين وشبكات الاتجار والجريمة المنظمة التي ينبغي أن تواجهها الدولة بالوسائل الأمنية والقضائية المناسبة.

أما مواجهة العنف، فتبدأ قبل وقوع الجريمة، من الأسرة والمدرسة والجامعة والحي، ومن خلال مكافحة الانقطاع المبكر عن الدراسة، ودعم الشباب في وضعيات الهشاشة، وتوفير الفضاءات الرياضية والثقافية، وتعزيز ثقافة الحوار وحل النزاعات، والتدخل المبكر في حالات العنف.

وبذلك تصبح الوقاية ركيزة أساسية في السياسة الجنائية، بدل أن يظل تدخل الدولة محصورًا في مرحلة ما بعد وقوع الجريمة، عندما يكون الضرر قد حدث بالفعل.

إن الاستثمار في التربية والصحة والثقافة والتشغيل والحماية الاجتماعية ليس منفصلًا عن تحقيق الأمن، بل يمكن أن يشكّل أحد أهم شروط الوقاية المستدامة من الجريمة.

نحو إصلاح متكامل: عشر أولويات لإنقاذ المنظومة السجنية

إن معالجة الاكتظاظ لا يمكن أن تقوم على بناء سجون جديدة فقط. فزيادة عدد المؤسسات قد توفر أماكن إضافية وتخفف الضغط مؤقتًا، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي أدّت إلى ارتفاع عدد السجناء.

والمطلوب إصلاح متكامل يبدأ من التشريع، ويمر بالقضاء، وينتهي بإدارة سجنية حديثة، يرتكز على الأولويات التالية:

  1. مراجعة السياسة الجزائية وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

  2. ضمان استقلال القضاء وتحسين نجاعة العدالة.

  3. احترام معايير المحاكمة العادلة والآجال المعقولة للفصل في القضايا.

  4. الحد من اللجوء غير الضروري إلى الإيقاف التحفظي.

  5. تطوير العقوبات البديلة عن السجن وتفعيل آليات تطبيقها.

  6. تحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية والنفسية.

  7. تعزيز التعليم والتكوين المهني وبرامج إعادة الإدماج.

  8. توفير حماية خاصة للسجينات والفئات الأكثر هشاشة.

  9. نشر إحصائيات رسمية دورية ومحيّنة وشفافة حول واقع المؤسسات السجنية.

  10. اعتماد سياسة وطنية للوقاية من الجريمة، تشارك فيها قطاعات العدل والداخلية والصحة والتربية والشؤون الاجتماعية والشباب، إلى جانب المجتمع المدني.

ويقتضي تنفيذ هذه الأولويات إرادة إصلاحية واضحة، وتنسيقًا فعليًا بين المؤسسات، وآليات تقييم مستقلة تقيس النتائج على أرض الواقع، لا مجرد الإعلان عن البرامج والمشاريع.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من خارج أسوار السجن

إن الحديث عن نحو 33 ألف سجين مقابل طاقة استيعاب في حدود 17 أو 18 ألف مكان لا ينبغي أن يبقى مجرد نقاش إحصائي.

فوراء هذه الأرقام آلاف الأشخاص والعائلات والملفات القضائية، ومسارات إنسانية واجتماعية تتأثر بقرارات الإيقاف والمحاكمة وتنفيذ العقوبة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم سجينًا تستطيع السجون التونسية استيعابه؟

بل ينبغي أن نسأل أيضًا: لماذا وصل هذا العدد من الأشخاص إلى السجن؟ وهل حوكموا في آجال معقولة؟ وهل احتُرمت حقوقهم وضمانات دفاعهم؟ وهل كان السجن الإجراء الضروري والمتناسب في كل حالة؟ وهل تتوفر للمحكوم عليهم فرص فعلية للإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج؟

إن إصلاح المنظومة السجنية يبدأ، في جانب أساسي منه، خارج أسوار السجن: في التشريع، وفي النيابة العمومية، وفي القضاء، وفي احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وفي سياسات الوقاية من الجريمة.

فلا يمكن بناء سجون تحترم الكرامة الإنسانية في ظل منظومة جزائية مثقلة بالاختلالات، ولا يمكن تحقيق العدالة بمجرد زيادة عدد أماكن الاحتجاز.

الإصلاح الحقيقي هو بناء منظومة متكاملة تحمي المجتمع، وتطبّق القانون، وتحترم حقوق الإنسان، وتضمن المحاكمة العادلة، وتجعل السجن آخر الحلول عندما يكون ضروريًا، وتمنح من يدخله فرصة حقيقية للعودة إلى المجتمع.

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر