🎙آخر الأخبار
إعلان

أزمة المنظومة التربوية وسؤال الإصلاح..من أزمة المدرسة إلى سؤال المشروع الوطني

30 أوت 2026

أزمة المنظومة التربوية وسؤال الإصلاح..من أزمة المدرسة إلى سؤال المشروع الوطني

تقديم «مسارات» يأتي هذا المقال للحقوقي والناشط المدني الحسين بوشيبة تفاعلًا مع الحوار الذي أجرته منصة «مسارات» مع الدكتور مصدّق الجليدي، الأستاذ والباحث الأكاديمي التونسي المختص في علوم التربية، حول أزمة المنظومة التربوية ومشروع المجلس الأعلى للتربية والتعليم وسؤال إصلاح المدرسة التونسية. وفي هذه المساهمة، يناقش حسين بوشيبة، الناشط الحقوقي والمدني، عددًا من الأفكار التي طرحها الجليدي بشأن أزمة المنظومة التربوية والمجلس الأعلى للتربية، متفقًا معه في جوانب من التشخيص، ومقترحًا في المقابل توسيع زاوية النظر إلى أزمة المدرسة التونسية باعتبارها أزمة حوكمة واستمرارية وتقييم وعدالة اجتماعية ومجالية، وقبل ذلك كله سؤالًا عن الإنسان والمجتمع والدولة التي نريد أن تسهم المدرسة في بنائها.

الحسين بوشيبة - حقوقي وناشط مدني

تابعت باهتمام ما طرحه الدكتور مصدّق الجليدي في الحوار الذي أجرته معه منصة «مسارات» حول أزمة المنظومة التربوية ومشروع المجلس الأعلى للتربية. وأهمية هذا الطرح، في تقديري، لا تكمن فقط في تشخيص بعض أوجه الأزمة، وإنما في أنه يعيد التربية إلى صدارة النقاش العام، ويفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الجوانب التقنية والإدارية لتصل إلى جوهر المشروع المجتمعي نفسه. 

أي مدرسة نريد؟ وأي إنسان نريد أن تخرّجه المدرسة التونسية؟ وأي مجتمع وأي دولة نريد أن نبني؟

أتفق مع الدكتور مصدّق الجليدي في عدد من عناصر التشخيص، خاصة ما يتعلق بأزمة الحوكمة والمركزية وصعوبات التمويل وضعف استمرارية الإصلاح والحاجة إلى مؤسسة قادرة على ضمان الاستقرار والاستمرارية في السياسة التربوية.

لكن بعض عناصر التشخيص تحتاج، في تقديري، إلى مزيد من التدقيق والتمييز التاريخي والمنهجي، حتى لا نختزل أزمة المدرسة التونسية في سبب واحد، أو نفسرها بتفسير اقتصادي أو سياسي أحادي.

هل كانت تونس تفتقر دائمًا إلى سياسة تربوية وطنية؟

يرى الدكتور مصدّق الجليدي أن أحد الأسباب العميقة لأزمة المنظومة التربوية يتمثل في غياب سياسة وطنية سيادية للإصلاح، ويربط ذلك بالصعوبات المالية وأزمة القيم والفساد والمركزية المفرطة، وبما يعتبره تأثيرًا للوصاية والعوامل الخارجية. وأعتقد أن هذه المسألة تحتاج إلى قدر من التمييز التاريخي.

فمن الصعب القول إن تونس، منذ الاستقلال، لم تكن لها سياسة تربوية وطنية أو مشروع تربوي واضح. فقد كان إصلاح 1958 جزءًا أساسيًا من مشروع بناء الدولة الوطنية وتوحيد المدرسة التونسية وتعميم التعليم. كما عرفت المنظومة لاحقًا إصلاحات كبرى، من بينها إصلاحا 1991 و2002.

لذلك، فإن الإشكال، في تقديري، لا يتمثل ببساطة في غياب المشروع الوطني السيادي، وإنما في أسئلة أعمق تتعلق بفلسفة المشروع، وطريقة صياغته، ومدى استقلالية القرار التربوي، وآليات تنفيذه وتقييمه، وقدرته على الاستمرار والتراكم.

لقد عرف التعليم التونسي إصلاحات عديدة منذ الاستقلال، لكن الإشكال أن هذه الإصلاحات لم تتحول دائمًا إلى مسار تشاركي وتراكمي. وهكذا أصبحت المدرسة، في بعض الفترات، تعيش ما يمكن تسميته:

«إصلاحًا يبدأ مع كل وزير جديد»

بدل سياسة تربوية وطنية تتجاوز الأشخاص والحكومات.

ويمكن تحديد ثلاثة اختلالات أساسية: تداخل القرار السياسي مع القرار التربوي، وضعف التقييم العلمي والمستقل للإصلاحات، وغياب آليات مؤسسية قوية لضمان الاستمرارية والتراكم. ومن هنا يمكن القول: تونس لا تعاني من ندرة الإصلاحات بقدر ما تعاني من ضعف استمرارية الإصلاح وتقييمه وتراكم نتائجه.

بين التفسير الاقتصادي والتفسير المتعدد الأبعاد للأزمة

إنّ تفسير أزمة الإصلاح التربوي أساسًا بالصعوبات الاقتصادية وبـ«منوال التنمية الكمبرادوري التابع»، يحتاج، في تقديري، إلى مزيد من الأدلة والتحليل المقارن حتى يتحول من توصيف سياسي أو أيديولوجي إلى تفسير علمي قابل للاختبار.

فالاقتصاد عنصر حاسم في السياسة التربوية، ولا يمكن إنكار أثر الموارد المالية في البنية التحتية والتجهيزات وظروف عمل المدرسين والتكوين والبحث والتجديد وجودة الخدمات التعليمية. لكن الأزمة التربوية لا يمكن اختزالها في الاقتصاد، كما لا يمكن تفسيرها كلها بعلاقة التبعية الخارجية.

إن إصلاح التعليم يحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد تشمل: الحوكمة، والموارد البشرية، والمناهج، والتقييم، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والبنية التحتية، والثقافة المدرسية، والتمويل، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. لا ينبغي أن ننسى مكاسب المدرسة التونسية. إن النقد الجدي للمنظومة لا يعني إنكار مكاسبها. فرغم الاختلالات التي رافقت مسار التأسيس والإصلاح، حققت الدولة الوطنية مكاسب أساسية ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها، لا هدمها باسم الإصلاح.

المدرسة العمومية

المدرسة العمومية ليست مجرد مرفق إداري، بل هي مؤسسة وطنية للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وبناء المواطنة. والمطلوب اليوم ليس التخلي عنها، وإنما إعادة تأهيلها وتحديثها وتحسين جودتها. ويفترض ذلك إعادة الاعتبار إلى المدرس باعتباره محور العملية التعليمية، لا مجرد منفذ لبرامج وقرارات مركزية.

مجانية التعليم وإلزاميته

تمثل مجانية التعليم وإلزاميته من أهم مكاسب الدولة الوطنية، ويجب الدفاع عنهما، مع تطوير العلاقة بين مختلف المسارات التعليمية: التعليم العام – التعليم التقني – التعليم المهني – التعليم الجامعي. والهدف هو تحقيق قدر أكبر من المرونة والنجاعة والجودة وتكافؤ الفرص.

الجمع بين التربية والتعليم

لا ينبغي اختزال المدرسة في نقل المعارف والمهارات. فالتعليم من دون تربية على المسؤولية والمواطنة والقيم لا يمكن أن ينتج الإنسان القادر على المشاركة في بناء المجتمع.

السياسة اللغوية وتعليم العلوم

تحتاج السياسة اللغوية إلى مراجعة علمية هادئة، بعيدًا عن التجاذب الأيديولوجي. ومن الضروري تعزيز حضور العربية باعتبارها لغة وطنية، مع ضمان إتقان اللغات الأجنبية الضرورية للانفتاح على المعرفة العالمية.

كما ينبغي معالجة إشكال تدريس العلوم بلغة أو لغات تسمح للمتعلم بفهمها وإتقانها، مع تطوير العربية العلمية والانفتاح على الإنجليزية باعتبارها لغة مركزية في العلوم والتكنولوجيا.

إصلاح منظومة التقييم

من الضروري إعادة النظر في منظومة التقييم والارتقاء من مرحلة إلى أخرى، بما في ذلك الامتحانات الوطنية، حتى لا تتحول العملية التعليمية إلى سباق من أجل اجتياز الامتحان بدل بناء الكفايات والمعارف.

تحسين وضعية المدرسين

لا يمكن الحديث عن إصلاح جدي من دون معالجة الوضع المادي والمهني للمدرسين، وإعادة النظر في سلم التأجير وظروف العمل والتكوين المستمر والمسار المهني ومكانة المدرس الاجتماعية.

تأهيل البنية التحتية

لا يمكن بناء مدرسة حديثة في فضاءات متدهورة أو غير ملائمة.

لذلك، فإن تأهيل المدارس والمعاهد وتجهيزها وتوفير شروط السلامة والراحة والولوج إلى التكنولوجيا يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي سياسة إصلاحية.

أزمة القيم: سبب للأزمة أم نتيجة لها؟

من النقاط التي تحتاج إلى إعادة نظر اعتبار المحسوبية والغش والعنف والاستهتار وتراجع الانضباط وانتشار بعض السلوكيات الخطرة أسبابًا مباشرة لأزمة المنظومة التربوية.

العلاقة هنا أكثر تعقيدًا.

فبعض هذه الظواهر نتائج لأزمة المدرسة والمجتمع في آن واحد، وبعضها يتحول لاحقًا إلى عوامل تعيد إنتاج الأزمة.

فالمدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع.

وإذا انتشرت قيم الغش أو العنف أو الاستهتار بالقانون في المجتمع، فمن الطبيعي أن تجد طريقها إلى المؤسسة التربوية.

لكن العكس صحيح أيضًا: عندما تفشل المدرسة في إنتاج الثقة والانضباط والمسؤولية واحترام القانون والحوار، فإنها تصبح أقل قدرة على مقاومة هذه الظواهر. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كيف نعاقب الغش والعنف؟ بل: لماذا أصبحت المدرسة أقل قدرة على إنتاج الثقة والانضباط والمسؤولية والمواطنة؟

وهنا تصبح التربية على القيم جزءًا من جوهر الإصلاح، وليست مادة إضافية أو شعارًا أخلاقيًا. التعليم الخاص: حق فردي أم خطر على المدرسة العمومية؟

التوسع في التعليم الخاص يستحق نقاشًا وطنيًا جديًا.

المشكلة ليست في وجود التعليم الخاص في حد ذاته، ولا في حق الأسر في اختيار المسار التعليمي الذي تراه مناسبًا، وإنما في السؤال عن دور الدولة في ضمان التعليم العمومي الجيد وتكافؤ الفرص.

فإذا أصبحت جودة التعليم مرتبطة أساسًا بالقدرة الاقتصادية للأسرة، فإننا نكون أمام خطر اتساع الفوارق الاجتماعية داخل المنظومة التعليمية نفسها.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مهاجمة التعليم الخاص، وإنما وضع سياسة واضحة للعلاقة بين التعليم العمومي والخاص، تضمن جودة التعليم، واحترام المعايير الوطنية، والرقابة والشفافية، وحماية حقوق المتعلمين والمدرسين، وعدم تحول التعليم إلى مجال يعمّق الفوارق الاجتماعية.

والأهم هو إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية بدل تركها تتآكل تدريجيًا، ثم تقديم ضعفها حجة إضافية للتوسع في التعليم الخاص.

الإصلاح لا يعني تغيير البرامج والهياكل فقط

عرفت تونس إصلاحات تربوية عديدة شملت المناهج وهيكلة التعليم ونظام الامتحانات والتوجيه والتكوين المستمر. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: لماذا لم تتحول هذه الإصلاحات دائمًا إلى نتائج مستدامة؟

هنا يجب أن ننتقل من ثقافة إعلان الإصلاح إلى ثقافة تقييم الإصلاح.

وقبل إطلاق أي إصلاح جديد، يجب أن نعرف: أين نجحت المنظومة؟ وأين فشلت؟ وما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ وما الذي يجب تغييره جذريًا؟ وما الإصلاحات السابقة التي أثبتت نجاعتها؟ ولماذا توقفت بعض التجارب الناجحة؟ وما أثر كل إصلاح في جودة التعلمات وتكافؤ الفرص؟ فالتغيير من أجل التغيير ليس إصلاحًا، وتغيير البرامج والهياكل لا يضمن وحده تغيير النتائج.

المجلس الأعلى للتربية: فرصة تاريخية أم مؤسسة إضافية؟

أتفق مع الدكتور مصدّق الجليدي في أن المجلس الأعلى للتربية يجب ألا يتحول إلى هيئة استشارية أخرى تضاف إلى جهاز الدولة.

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نحتاج إلى المجلس؟ بل: أي مجلس نريد؟ ومن يمثل؟ ومن يختار أعضاءه؟ وما صلاحياته؟ وما مدى استقلاليته؟ وكيف تتم مساءلته؟

إن المجلس القوي يمكن أن يؤدي وظيفة استراتيجية تتمثل في حماية السياسة التربوية من التقلبات الحكومية والوزارية، ووضع الأهداف الكبرى، ومتابعة تنفيذها، وتقييم النتائج، واقتراح التصحيحات.

لكن مجلسًا يفتقر إلى الاستقلالية والصلاحيات والتعددية قد يتحول إلى مجرد حلقة إضافية في البيروقراطية.

وهنا تبرز مسألة جوهرية تتعلق بكيفية بناء المجلس وتركيبة هيئاته وطريقة التعيين ومدى التشاور مع الفاعلين التربويين والاجتماعيين. فالإصلاح التربوي لا يمكن أن يكون مشروعًا فوقيًا.

المجلس الأعلى للتربية يجب أن يكون فضاءً وطنيًا للحوار والخبرة والتوافق، لا مجرد مؤسسة إدارية جديدة. هل نحتاج فعلًا إلى عشر سنوات؟ لا أعتقد أن عدد سنوات الإصلاح هو العامل الحاسم في نجاحه. ليس المهم أن نقول إن الإصلاح يحتاج إلى خمس سنوات أو عشر، وإنما أن نحدد: ماذا سنحقق؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وبأي مؤشرات؟ ومن المسؤول؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟

يمكن اعتماد رؤية مرحلية، بخمس سنوات للتحولات الأساسية وخمس أخرى للترسيخ والتقييم والتصحيح، لكن المهم أن تكون لكل مرحلة أهداف قابلة للقياس. فالإصلاح الذي يطلب من المجتمع الانتظار عشر سنوات، من دون مؤشرات سنوية واضحة، ومن دون تقييم مستقل، ومن دون مساءلة، قد يتحول إلى: تأجيل للمساءلة بدل أن يكون خطة للإصلاح.

هل تستطيع المنظومة إصلاح نفسها؟ هذا، في تقديري، هو السؤال الأكثر أهمية:

هل تستطيع المنظومة الحالية إنتاج إصلاحها من داخلها، أم أن حجم الاختلالات أصبح يفرض إعادة بناء عميقة لمنظومة الحوكمة واتخاذ القرار؟

إذا كانت المشكلة في التنظيم والحوكمة، فالمطلوب إعادة توزيع الصلاحيات، والحد من المركزية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وإعادة الاعتبار إلى المدرس، وتطوير التكوين والمناهج والتقييم. أما إذا كانت الاختلالات بنيوية، فإن تغيير بعض البرامج وإنشاء مجلس جديد لن يكون كافيًا. نحن عندها أمام حاجة إلى إعادة بناء مؤسسية وثقافية عميقة. وهذا ما يجعل المجلس الأعلى للتربية فرصة، ولكنه في الوقت نفسه مصدر قلق مشروع.

فقد يكون المجلس أداة تاريخية لبناء سياسة تربوية وطنية مستقرة، وقد يتحول إلى مؤسسة شكلية إذا لم تتوفر له الاستقلالية والصلاحيات والموارد والشرعية التشاركية. أي إنسان وأي مجتمع نريد؟ هنا نصل إلى جوهر المسألة.

لقد ارتبطت الإصلاحات التربوية الكبرى في تونس، في مراحل مختلفة، بمشاريع سياسية وأيديولوجية أوسع.فالسؤال اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نصلح المدرسة؟ بل: أي إنسان نريد أن تخرّجه المدرسة التونسية؟

هل نريد إنسانًا يحفظ المعارف فقط، أم مواطنًا قادرًا على التفكير النقدي والإبداع والحوار وتحمل المسؤولية واحترام القانون والمشاركة في الحياة العامة؟ وأي مجتمع نريد أن نبني؟ وأي دولة نريد أن يكون التعليم أحد أعمدتها؟ التربية لا ينبغي أن تُختزل في إعداد اليد العاملة لسوق الشغل، مهما كانت أهمية ذلك. فالمدرسة تؤدي وظيفة أوسع:

بناء المواطن، وترسيخ الثقافة الوطنية، وتعزيز الشعور بالانتماء، وبناء الثقة والكرامة والمسؤولية المشتركة، واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية، والانفتاح على القيم الكونية ومختلف الثقافات والحضارات والتقنيات الحديثة.

والانتماء الوطني الحقيقي لا يقوم على التلقين أو الشعارات، وإنما على شعور المواطن بأن وطنه يحفظ كرامته وحقوقه ويتيح له تكافؤ الفرص، وأن عليه، في المقابل، مسؤولية في خدمته واحترام مؤسساته وقانونه.

لا إصلاح تربوي من دون إصلاح مجتمعي وتنموي

لا يمكن أن يكون الإصلاح التربوي مشروعًا معزولًا عن الخيارات الوطنية الكبرى. فما العلاقة بين إصلاح التعليم ومنوال التنمية؟ وما علاقة المدرسة بالتنمية الجهوية؟ وكيف نربط التعليم بالتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي والثقافة والاقتصاد الرقمي؟

وهل يمكن أن نطلب من المدرسة إعداد أجيال للاقتصاد الجديد، بينما تظل السياسات الاقتصادية والاجتماعية عاجزة عن استيعاب جزء مهم من هذه الطاقات والكفاءات؟

إن الإصلاح التربوي ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية وطنية متكاملة تشمل التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي والثقافة والسياسات الاجتماعية والتنمية الجهوية والتحول الرقمي. كما لا يمكن أن يكون منعزلًا عن المحيط الإقليمي والدولي.

المطلوب ليس استنساخ نماذج أجنبية، وإنما الاستفادة من التجارب المقارنة وتكييفها مع الواقع التونسي. الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في المدرسة. 

نواجه اليوم تحديًا لم يكن مطروحًا بهذه الحدة عند الإصلاحات السابقة: الذكاء الاصطناعي والتحول الجذري في مفهوم المعرفة.

فما الذي ينبغي أن يتغير؟ المناهج؟ طرق التدريس؟ وظيفة المدرس؟ نظام الامتحانات؟ أم مفهوم التعلم نفسه؟

في عالم يستطيع فيه التلميذ الوصول إلى كم هائل من المعلومات خلال ثوانٍ، لم يعد حفظ المعلومة وحده كافيًا. يجب أن تُعلِّم المدرسةُ الناشئةَ:

كيف تفكر، وكيف تتحقق من المعلومة، وكيف تميز بين المعرفة والتضليل، وكيف تستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وكيف تحل المشكلات وتبدع وتتعاون وتتحمل المسؤولية.

وهذا يفرض أيضًا إعادة تعريف وظيفة المدرس. فالمدرس لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل هو موجّه للعملية التعليمية، وميسّر للتعلم، ومربٍّ على التفكير النقدي، ومرشد في عالم تتعدد فيه مصادر المعرفة. ومن الخطأ مواجهة الذكاء الاصطناعي بمنطق المنع والخوف فقط. المطلوب هو أن نعلم أبناءنا: الاستخدام الذكي والأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا.

قبل أي إصلاح جديد: أين التقييم العلمي؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة الأخرى: هل نملك اليوم تقييمًا علميًا شاملًا ومستقلًا للمنظومة التربوية التونسية؟

نحتاج إلى تشخيص لا يكتفي بوصف الأزمة، وإنما يقيس أداء المنظومة بمؤشرات واضحة، من بينها مستوى التعلمات، ونسب الانقطاع المدرسي، والفوارق بين الجهات، وأثر الوسط الاجتماعي والاقتصادي، ووضعية المدرسين، وجودة التكوين، والبنية التحتية، والتجهيزات، وكفاءة الإدارة التربوية، ومردودية الإنفاق، وتكافؤ الفرص، وجودة التعليم العمومي والخاص، وقدرة المدرسة على مواكبة التحولات التكنولوجية. كما ينبغي أن يشمل التقييم آراء المدرسين والتلاميذ والأولياء والباحثين والفاعلين الاجتماعيين.

ولهذا، يمكن أن تكون من أولى مهام المجلس الأعلى للتربية، إذا أريد له أن يكون مؤسسة استراتيجية فعلًا: إطلاق تقييم وطني مستقل وشامل للمنظومة التربوية قبل الشروع في تنفيذ إصلاح جديد واسع النطاق. فلا إصلاح جدي من دون تشخيص جدي، ولا يمكن معالجة أزمة لم نحدد أسبابها ودرجاتها وآثارها.

من إصلاح متقطع إلى مشروع وطني للتربية

النقاش الذي فتحه الدكتور مصدّق الجليدي مهم، لأنه يعيد التربية إلى صدارة النقاش الوطني. لكن الخطر يكمن في اختزال الأزمة في التمويل أو المركزية أو القيم أو عدد سنوات الإصلاح، أو حتى في مجرد إنشاء المجلس الأعلى للتربية. الأزمة أعمق من ذلك. نحن أمام أزمة استمرارية وحوكمة وتقييم ومناهج وموارد بشرية وعدالة اجتماعية ومجالية، وأمام أزمة في العلاقة بين المدرسة والمجتمع والاقتصاد، وقبل ذلك كله أمام سؤال يتعلق بالإنسان والمواطن والمجتمع والدولة التي نريد بناءها.

كما لا يمكن أن نتجاهل أن عددًا من المكاسب التي راكمتها الدولة الوطنية في التعليم وفي المرافق والخدمات العمومية تواجه اليوم ضغوطًا واختلالات حقيقية.

لكن الاحتجاج على هذا الوضع لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب تشاؤمي أو إلى إعلان انهيار شامل من دون أدلة.

المطلوب هو: تشخيص صريح، ومصارحة المواطنين بالواقع، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، ووضع برامج إصلاح قابلة للقياس والمساءلة. فالإصلاح لا يمكن أن ينجح بالنيات وحدها، ولا بالشعارات، ولا بإحداث المؤسسات.

الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية، وموارد، وخبرة، واستقلالية في القرار، ومشاركة مجتمعية، وتقييم علمي، ومساءلة.

ومن هنا، فإن السؤال المركزي ليس: هل يحتاج إصلاح التعليم إلى خمس سنوات أم عشر؟ بل: هل نملك مشروعًا وطنيًا واضحًا للتربية؟ وهل نملك الإرادة والمؤسسات والموارد والآليات القادرة على بنائه وتنفيذه وتقييمه وتصحيحه وضمان استمراره؟

إذا كان الجواب نعم، فإن المجلس الأعلى للتربية يمكن أن يتحول إلى مؤسسة تاريخية تساعد تونس على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل.

أما إذا اكتفينا بإضافة مؤسسة جديدة إلى منظومة قائمة، من دون تغيير عميق في طريقة التفكير وصنع القرار والتقييم والمساءلة، فإننا قد نضيف مجلسًا آخر إلى قائمة المؤسسات، لكننا لن نكون قد أصلحنا المدرسة.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير البرامج والهياكل فقط، بل يبدأ من سؤال أعمق: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي مجتمع نريد أن نعيش فيه؟ وأي دولة نريد أن تكون المدرسة إحدى أهم أدوات بنائها؟

وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للمجلس الأعلى للتربية، ولأي مشروع إصلاحي قادم. فإما أن ننتقل من إدارة أزمة التعليم إلى بناء مشروع وطني للتربية، وإما أن نظل ندور في الحلقة نفسها: إصلاحات متعاقبة، وقرارات متغيرة، وموارد محدودة، ونتائج لا تخضع بما يكفي للتقييم والمساءلة.

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر