🎙آخر الأخبار
إعلان

الزغاريد أكثر من الكسكسي: هل يتحوّل نجاح مسيرة 17 أكتوبر إلى تغيير حقيقي؟

18 أكتوبر 2026

الزغاريد أكثر من الكسكسي: هل يتحوّل نجاح مسيرة 17 أكتوبر إلى تغيير حقيقي؟

نجيب العياري – كاتب سياسي

ثمة مثل تونسي شعبي يختزل بكلمات قليلة ما قد تعجز صفحات من التحليل عن تصويره: «الزغاريد أكثر من الكسكسي». ويُقال حين يتقدّم الاحتفال على الإنجاز، ويصبح الإعلان عن الشيء أكثر من الشيء نفسه.

وقد سبقت مسيرة السابع عشر من أكتوبر سجالات وانقسامات وتبادل للاتهامات بين المتحمسين للمشاركة والرافضين لها، كشفت جميعها عن تعقيدات المشهد السياسي التونسي، لكنها لم تمنع خروج المسيرة.

وها قد التقى في شوارع العاصمة آلاف التونسيين، من نقابيين وحقوقيين وأطباء وصحفيين وطلبة ومعطّلين عن العمل ومناضلين من اتجاهات سياسية مختلفة، تحت شعارات جمعت بين الحريات والكرامة والحقوق الاجتماعية.

ومن الإنصاف الاعتراف بأن المسيرة أثبتت أن القدرة على التعبئة لم تختفِ من المجتمع التونسي، وأن الخلافات السياسية القديمة لم تمنع التقاء أطراف متعددة حول مطالب مشتركة.

لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألّا نستعجل إعلان ميلاد بديل سياسي جديد لمجرد نجاح التعبئة. فما الذي كشفته المسيرة؟ وما الذي لم تحسمه؟ ثم ما العمل بعد أن عاد المتظاهرون إلى بيوتهم؟

ماذا حصدنا من مسيرة 17 أكتوبر؟

لعل أول ما أظهرته المسيرة أن المنظمات الوطنية والمهنية والمدنية لا تزال تمتلك قدرة على التحرّك والتنسيق، رغم التباينات بين مكوّناتها والانتقادات الموجّهة إلى تجارب بعضها ومواقف قياداتها.

وثاني ما أظهرته أن مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية ليست عالمين منفصلين؛ فقد اجتمعت في التحرّك شعارات الدفاع عن الحقوق والتعددية واستقلال القضاء، مع المطالب المتعلقة بالشغل والعيش الكريم والخدمات العمومية.

أما الدلالة الثالثة، فهي أن اختلاف القوى السياسية بشأن الماضي وحول مشاركة بعض الأطراف لم يمنع حصول تحرّك مشترك، لكنه لم يُلغِ تلك الخلافات أيضًا.

فقد سبقت المسيرة مواقف متعارضة وبيانات اختلف أصحابها حول حدود الاصطفاف السياسي وشروط العمل المشترك، بل ظهر الخلاف داخل العائلة السياسية الواحدة.

وفي خضمّ ذلك، تجددت الاتهامات القديمة، واستُحضرت مواقف 25 جويلية 2021، وعادت الذاكرة السياسية لتؤدي دور الذخيرة في معركة لم تنتهِ بعد.

لكن المفارقة أن المسيرة التي اختلفوا حولها قد جرت بالفعل. وهذا يضعنا أمام درس مهم: يمكن للخلافات السياسية أن تستمرّ دون أن تمنع التعاون حول مطالب محددة، غير أن التعاون الظرفي لا يعني بالضرورة الاتفاق على مشروع سياسي مشترك.

بعد خمس سنوات... ماذا تعلمنا؟

مرّت أكثر من خمس سنوات على منعطف 25 جويلية 2021، الذي كان يمكن أن يتحوّل إلى ورشة وطنية لمراجعة تجربة الانتقال الديمقراطي وما تلاها. لكن جانبًا معتبرًا من طاقتنا السياسية ما زال يُستهلك في إثبات من كان على صواب ومن كان على خطأ.

فهناك من يستحضر مواقف الذين ساندوا إجراءات 25 جويلية، ومن يذكّر بإخفاقات العشرية السابقة، ومن يرى في تراجع هذا الطرف أو ذاك فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى.

ولا ينبغي طمس المسؤوليات التاريخية أو إعفاء أصحابها من المراجعة، لكن تحويل الماضي إلى مخزن دائم للاتهامات لا يساعدنا على فهم أسباب الفشل ومنع تكراره. فقد يتغيّر موقع الفاعل السياسي دون أن تتغيّر ثقافته السياسية، وقد يتحوّل المدافع عن الحرية إلى رافض لحقوق خصومه، كما قد يتبنّى معارض اليوم من أساليب الحكم ما كان ينتقده بالأمس.

ومن مفارقات المشهد أن الجميع تقريبًا يرفع راية الديمقراطية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجميع يقصد بها الشيء نفسه. فثمة ديمقراطية تعلنها الخطابات، وديمقراطية تسكن القناعات، وثالثة تكشف عنها الممارسات عندما يتعلق الأمر بحقوق الخصوم وتداول السلطة.

وليست المشكلة في تعدّد التصورات، وإنما في أن يعتبر كل طرف نفسه الممثل الحصري للديمقراطية، ويمنح أو يمنع باسمها شهادات الشرعية السياسية. فالديمقراطية لا تُختبر بما نعلنه عن أنفسنا فحسب، وإنما أيضًا بالحقوق التي نعترف بها لمن نختلف معهم.

بين نجاح الحشد وبناء القوة الاجتماعية

هنا نصل إلى السؤال الأهم الذي تطرحه مسيرة 17 أكتوبر. فالحشد السياسي، مهما كان حجمه، لا يتحوّل تلقائيًا إلى قوة اجتماعية منظّمة قادرة على التأثير المستدام في موازين القوى. وقد يكشف عن اتساع الاعتراض، ويفتح فضاءً جديدًا للالتقاء والتنسيق، لكنه لا يجيب بمفرده عن سؤال المشروع الذي يمكن أن يجمع فئات المجتمع حول مستقبل مختلف.

لقد عرفت تونس تجارب سابقة في التوافق بين النخب، ومواثيق حول الحقوق والحريات، وتحالفات انتخابية وسياسية واسعة. لكن كثيرًا من هذه التفاهمات تعرّض للاهتزاز عندما انتقل أصحابها من مواجهة خصم مشترك إلى التنافس على السلطة وإدارة الاختلافات.

والمشكلة ليست في عدم أهمية القواعد المشتركة، بل في الاعتقاد بأن الاتفاق عليها يكفي وحده لإنتاج تغيير سياسي واجتماعي مستدام. فالقاعدة الديمقراطية تحتاج إلى قوة اجتماعية تدافع عنها، والقوة الاجتماعية نفسها تحتاج إلى مشروع يمنحها المعنى والاتجاه، وهذا المشروع يحتاج بدوره إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع تحويله إلى نتائج.

ولعل من أعمق أسباب تعثّر تجربتنا السابقة أننا لم ننجح بما يكفي في جعل قطاعات واسعة من المجتمع ترى في الديمقراطية وسيلة فعلية لتحسين شروط حياتها، لا مجرد نظام لتداول الحكومات والأحزاب.

فالعامل والفلاح والشاب المعطّل عن العمل وصاحب المؤسسة الصغيرة والموظف الذي تتآكل قدرته الشرائية، لا تقنعهم البيانات الجميلة وحدها.

إنهم يريدون أن يعرفوا ما الذي ستغيّره السياسة في حياتهم، وما الضمانات التي تجعل الوعود قابلة للتحقيق والمحاسبة.

وهنا تتجاوز المسألة خلافات النخب حول «العيش المشترك» إلى سؤال العمق الاجتماعي الذي يحمل المشروع ويمنحه القدرة على الاستمرار.

ما بعد 17 أكتوبر: أيّ أفق؟

لقد انتهت المسيرة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعدها. هل تتحوّل المطالب التي جمعت المشاركين إلى عمل منظّم ومستمر، أم يعود كل طرف إلى موقعه القديم منتظرًا مناسبة احتجاجية جديدة؟ وهل تستطيع المنظمات والأحزاب أن تنقل النقاش من التعبئة حول المطالب إلى بلورة حلول يمكن للمجتمع مناقشتها واختبارها؟

ثم هل يمكن تجاوز الثنائية التي تختزل الشعب في ضحية بريئة لنخب فاسدة، أو تتصوّر النخب جماعة متفوّقة تملك الحقيقة وتعاني من شعب عاجز عن إدراك مصالحه؟ فلا الشعب كتلة متجانسة تملك دائمًا الإجابات الصحيحة، ولا النخب جماعة متفوّقة تستطيع وحدها تقرير مصيره.

والسياسة التي تستحق هذا الاسم هي التي تعيد ترتيب العلاقة بينهما، وتحوّل مطالب المجتمع وخبراته إلى معرفة وبرامج ومؤسسات، وتعيد إليه القدرة على المشاركة والمراقبة والمحاسبة.

ولعل أول امتحان عملي لما بعد 17 أكتوبر هو قدرة المنظمات التي دعت إلى المسيرة على تحويل مطالبها المشتركة إلى برنامج متابعة معلن، يحدد الأولويات والمسؤوليات والآجال، ويتيح للمواطنين معرفة ما تحقق وما تعطل وأسباب ذلك.

ولا يتطلب هذا المسار اتفاقًا على برنامج حكم واحد، بل التزامًا واضحًا بمتابعة المطالب الاجتماعية والحقوقية، وفتح نقاش عمومي حول البدائل، وربط العمل الوطني بالمشكلات التي تعيشها الجهات والفئات الاجتماعية المختلفة.

ويمكن أن يترافق ذلك مع مراجعات حزبية وتنظيمية جادة ومعلنة، تعيد بناء الثقة على أساس الممارسة، لا على أساس بيانات المصالحة وحدها. أما السلطة، فإن مسؤوليتها عن السياسات والقرارات القائمة لا يمكن أن تضيع وسط السجال حول المعارضة. ولا ينبغي أن يُغني الحديث عن السيادة ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية عن وجود مؤسسات خاضعة للمساءلة وسياسات تظهر نتائجها في حياة المواطنين.

إن المطلوب ليس جبهة تذيب الجميع في خطاب واحد، ولا تعددية تعيد إنتاج العجز، وإنما مجال سياسي مفتوح تتعاون فيه القوى المختلفة حول الحقوق والمصالح المشتركة، وتتنافس فيه حول البرامج، ويكون المجتمع قادرًا على تقويم الجميع. فقدرة المنظمات والأحزاب على جمع الناس في الشارع مهمة، لكن قدرتها على تنظيم المصالح ومتابعة المطالب ومراكمة النتائج هي التي ستحدد ما يمكن أن يبقى من تلك اللحظة بعد انفضاضها.

قليل من الزغاريد... وكثير من الكسكسي

ليس المطلوب التقليل من أهمية ما جرى يوم 17 أكتوبر. فالخروج السلمي إلى الشارع، والتعبير عن المطالب، واستعادة إمكان العمل المشترك، كلها وقائع لها قيمتها السياسية والمدنية.

لكن الزغاريد لا ينبغي أن تتحوّل إلى بديل عن العمل. فقد أثبتت المسيرة أن القدرة على الالتقاء والتعبئة لم تختفِ من المجتمع التونسي، لكنها لم تقدّم بعد ضمانة بأن هذه الطاقة ستتحوّل إلى مشروع اجتماعي وسياسي مستدام. وهذا ليس حكمًا بالفشل، بل تحديد للامتحان الذي ينتظر الجميع.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في جمع الناس يومًا واحدًا، وإنما في بناء أسباب تجعلهم يثقون في أن مشاركتهم تستطيع تغيير شيء من واقعهم. فليس المهم فقط من خرج إلى الشارع، وإنما ما الذي سيستطيع المجتمع بناءه بعد أن يعود المتظاهرون إلى بيوتهم. ذلك هو الفرق بين نجاح المسيرة ونجاح ما بعدها. وعندها فقط تستعيد الزغاريد معناها الطبيعي: أن تكون احتفالًا بما تحقق، لا تعويضًا عمّا غاب. فلا معنى لعرس سياسي تتكاثر فيه الزغاريد، بينما يظلّ الكسكس قليلًا، والضيوف جياعًا، والطباخون منشغلين بالتشاجر حول من يستحق شرف إعداد الوليمة.

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر