د. إبراهيم عمري - أستاذ علوم سياسية
مقدمة
تأتي مبادرة العفو التشريعي العام استجابةً للحاجة إلى معالجة آثار مرحلة اتسمت بالتوتر والانقسام والملاحقات ذات الصلة بالشأن السياسي، وما ترتب عنها من أوضاع قانونية واجتماعية وإنسانية لا تزال تؤثر في المناخ العام.
ويعني العفو التشريعي العام خيارًا تشريعيًا لمعالجة الملفات التي يشملها القانون وفق معايير واضحة وعادلة وموحدة، وتسوية الآثار المترتبة عنها.
إن استمرار هذه الملفات دون معالجة شاملة لا يساعد على بناء الثقة، بل يساهم في استمرار الاحتقان والانقسام. لذلك، يمكن أن يمثل العفو مدخلًا للانتقال من منطق الصراع والإقصاء إلى منطق الحوار والمواطنة والمصالحة.
أولًا: إطلاق سراح المساجين السياسيين عربون حسن نية
تبدأ المبادرة بخطوة عملية تتمثل في إطلاق سراح المساجين السياسيين، باعتبار ذلك عربون حسن نية وخطوة أولى لبناء الثقة.
ولا يُقصد بذلك التدخل في القضاء أو إلغاء المسار القانوني، وإنما اعتماد معالجة تشريعية للحالات ذات الصلة بالنشاط السياسي أو بحرية الرأي والتعبير والمشاركة في الحياة العامة، وفق شروط ومعايير يحددها القانون.
إن إطلاق السراح في هذه الحالات يبعث برسالة واضحة مفادها أن هناك إرادة لتهدئة المناخ العام وفتح صفحة جديدة، وأن العفو ليس مجرد خطاب سياسي، وإنما إجراء ملموس يمكن أن يشكل بداية لمسار أوسع.
وفي المقابل، ينبغي أن يكون حسن النية متبادلًا، من خلال التزام جميع الأطراف باحترام القانون، ونبذ الإقصاء، واحترام الاختلاف السياسي، والمساهمة في تهدئة المناخ العام وفتح حوار جدي.
ثانيًا: مراجعة الملفات ورد الاعتبار
لا ينبغي أن يتوقف العفو عند إطلاق السراح، بل يجب أن يتبعه النظر في الملفات التي كانت سببًا في السجن أو التتبعات أو الإقصاء.
ويقترح، لذلك، وضع آلية قانونية واضحة وشفافة تتولى:
حصر الملفات التي يشملها العفو؛
دراسة الحالات وفق معايير موحدة؛
تحديد مدى انطباق شروط العفو عليها؛
معالجة الآثار القانونية المترتبة عنها؛
رد الاعتبار للمستفيدين من العفو وفق ما يحدده القانون.
كما ينبغي، بحسب كل حالة، النظر في الآثار المهنية والاجتماعية والمادية التي ترتبت عن السجن أو التتبعات، ووضع الآليات القانونية المناسبة لتسويتها.
ثالثًا: العفو والمصالحة الوطنية
يمثل العفو التشريعي العام خطوة نحو معالجة الماضي وفتح المجال أمام مصالحة وطنية تقوم على القانون والحوار وقبول الاختلاف.
وتعني المصالحة معالجة الملفات بصورة قانونية ومسؤولة، واستخلاص الدروس، ومنع تكرار أسباب الانقسام والاحتقان.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون العفو التشريعي العام جزءًا من مسار متدرج يقوم على:
إطلاق السراح، وبناء الثقة، ومراجعة الملفات، ثم رد الاعتبار، وتسوية الآثار، والعفو التشريعي العام، والحوار، وصولًا إلى المصالحة الوطنية.
خاتمة
إن العفو التشريعي العام ليس مجرد إجراء للإفراج عن المساجين، وإنما هو خيار وطني لمعالجة آثار مرحلة من الانقسام وتهيئة الظروف لمرحلة جديدة.
وتتمثل الخطوة الأولى في إطلاق سراح المساجين السياسيين باعتباره عربون حسن نية وبداية لبناء الثقة، ثم مراجعة الملفات، ورد الاعتبار، وتسوية الآثار المترتبة عنها.
ويجب أن يكون العفو عامًا في معاييره، عادلًا في تطبيقه، واضحًا في إجراءاته، وبعيدًا عن الانتقائية والانتقام والإقصاء.
إن الغاية النهائية هي الانتقال من الخصومة إلى الحوار، ومن الإقصاء إلى المواطنة المتساوية، ومن الاحتقان إلى الاستقرار، ومن معالجة الماضي إلى بناء المستقبل.
وبذلك، يمكن أن يشكل العفو التشريعي العام خطوة أولى نحو المصالحة الوطنية وفتح صفحة جديدة قائمة على القانون والثقة واحترام الحقوق والحريات.
==
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


