🎙آخر الأخبار
إعلان

عبد العزيز التميمي يكتب: مظاهرة 20 أوت.. من كسر الخوف إلى بناء الكتلة الديمقراطية في تونس

20 أوت 2026

عبد العزيز التميمي يكتب: مظاهرة 20 أوت.. من كسر الخوف إلى بناء الكتلة الديمقراطية في تونس

تأتي مظاهرة 20 أوت 2026 في سياق سياسي واجتماعي يتسم بتراكم مظاهر الانغلاق السلطوي، وتراجع استقلال القضاء والحريات العامة، واتساع دائرة المحاكمات والأحكام الثقيلة بحق المعارضين. كما تجري في ظل أزمة معيشية وخدماتية متفاقمة، جعلت الاحتجاج على الغلاء وانقطاع الماء والكهرباء وتدهور المرافق العمومية جزءًا لا ينفصل عن المطالبة باستعادة الديمقراطية.

عبد العزيز التميمي – كاتب صحفي

في مقالة كتبها خصيصًا لمنصة «مسارات»، يقرأ الكاتب الصحفي عبد العزيز التميمي دلالات مظاهرة 20 أوت 2026، وما يمكن أن تفتحه من آفاق أمام القوى السياسية والمدنية المعارضة للانتقال من مجرد التقاطع الاحتجاجي إلى بناء كتلة ديمقراطية واسعة، تقوم على الاعتراف بالاختلاف والتوافق حول حدّ أدنى مشترك عنوانه الحرية والديمقراطية واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة.

كما يناقش التميمي إمكانات التقارب بين الإسلام الديمقراطي واليسار الديمقراطي والقوى الليبرالية والحقوقية والمواطنية، وصولًا إلى تصور «تنسيقية وطنية للحركة الديمقراطية» قادرة، وفق رؤيته، على تحويل الاحتجاج إلى مسار سياسي ومدني متراكم.

تأتي مظاهرة 20 أوت 2026 في لحظة تونسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمة الحكم الفردي مع تدهور الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، وتتسع خلالها دائرة المتضررين من التضييق على الحريات، وتوظيف القضاء، وإضعاف المؤسسات. لذلك، لا تمثل هذه المظاهرة مجرد محطة احتجاجية ضد سياسات قيس سعيّد، بل تشكّل اختبارًا لقدرة المجتمع التونسي على استعادة المبادرة، وربط المطالب اليومية في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والعمل بمعركة أوسع من أجل الحرية والكرامة والعدالة ودولة القانون.

إنها لحظة يُقاس معناها بمدى قدرتها على كسر الخوف، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتحويل الغضب المتفرق إلى وعي ديمقراطي منظم.

غير أن القيمة التاريخية المحتملة لهذا التحرك لا تتوقف عند حجم الحشود، وإنما تتحدد بما يمكن أن يفتحه من آفاق للتقارب بين الإسلام الديمقراطي واليسار الديمقراطي والقوى الليبرالية والمكونات الحقوقية والمبادرات المواطنية. فتونس لا تحتاج اليوم إلى وحدة أيديولوجية تلغي الاختلاف، بل إلى كتلة تاريخية ديمقراطية تعترف بالتباينات وتديرها سلميًا ضمن ميثاق مشترك يحمي الحريات، ويضمن استقلال القضاء والتداول على السلطة.

ومن هنا يطرح المقال سؤال الانتقال من التقاطع الاحتجاجي العابر إلى تنسيقية وطنية للحركة الديمقراطية، تستجيب لنداءات السجناء، وتفكك الأساطير المؤسسة للحكم الفردي، وتعيد بناء الأمل في جمهورية المواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية.

ما استعدادات مظاهرة 20 أوت 2026 ضد استبداد قيس سعيّد واستهتار سلطاته؟ وما السيناريوهات المحتملة للتقارب والتحالف بين أحزاب المعارضة ومكونات المجتمع المدني والحراك الشعبي، في ظل الاعتراف بالاختلاف واحترام التباينات الأيديولوجية والبرنامجية؟ وما إمكانات توظيف رأس المال الرمزي للإسلام في تونس، والعمق الاجتماعي والتاريخي لحركة النهضة والإسلام الديمقراطي واليسار الديمقراطي، في تطوير الممارسة الميدانية لتفكيك الأساطير المؤسسة للانقلاب؟ وكيف يمكن تطوير جبهة الخلاص الوطني والحراك الشعبي واليسار الديمقراطي إلى تنسيقية وطنية للحركة الديمقراطية تستجيب لنداءات الوحدة الصادرة عن سجناء الحق في الثورة والديمقراطية في تونس؟

20 أوت.. من الاحتجاج الاجتماعي إلى المعركة الديمقراطية

تأتي مظاهرة 20 أوت 2026 في سياق سياسي واجتماعي يتسم بتراكم مظاهر الانغلاق السلطوي، وتراجع استقلال القضاء والحريات العامة، واتساع دائرة المحاكمات والأحكام الثقيلة بحق المعارضين. كما تجري في ظل أزمة معيشية وخدماتية متفاقمة، جعلت الاحتجاج على الغلاء وانقطاع الماء والكهرباء وتدهور المرافق العمومية جزءًا لا ينفصل عن المطالبة باستعادة الديمقراطية.

وفق الدعوات المنشورة حتى 19 أوت، تنظّم «المبادرة المواطنية نَفَس» المسيرة يوم الخميس 20 أوت 2026، انطلاقًا من الساعة الخامسة والنصف مساءً من ساحة الجمهورية، المعروفة بساحة الباساج، في تونس العاصمة. وقد رفعت الدعوة شعارات: «يكفي من العبث، يكفي من الفشل، يكفي من الظلم»، وربطت الحقوق السياسية مباشرة بحقوق المواطنين في الماء والكهرباء والخدمات والعيش الكريم.

مظاهرة مواطنية تجمع أطرافًا مختلفة

وتتمثل الدلالة الأولى للمظاهرة في كونها مبادرة مواطنية مفتوحة، وليست تحركًا حزبيًا مغلقًا. فاحتفاظ «نَفَس» بموقع الجهة الداعية، مع انضمام الأحزاب والمنظمات إليها، يمنح التحرك قابلية لاستقطاب مواطنين لا ينتسبون إلى الأحزاب أو يحملون تحفظات على تجاربها السابقة.

وتشير المعطيات المنشورة إلى مشاركة أو دعوة أطراف متباينة، من بينها جبهة الخلاص الوطني وحركة النهضة والتيار الديمقراطي والحزب الجمهوري، مع تداول إعلان مشاركة بعض الفعاليات الليبرالية. وإذا تأكد الحضور الميداني لهذه الأطراف جميعًا، فسيكون ذلك تطورًا رمزيًا مهمًا، لأن الشارع سيجمع قوى لا تزال تفصل بينها خصومات أيديولوجية وتاريخية عميقة.

ولا ينبغي، بطبيعة الحال، الخلط بين المشاركة في مظاهرة واحدة وقيام تحالف سياسي مكتمل. فما يتشكل عشية 20 أوت هو أقرب إلى «تقاطع احتجاجي» حول الحريات والعدالة الاجتماعية ورفض الانفراد بالسلطة، ولم يبلغ بعدُ مستوى جبهة ذات قيادة وبرنامج وآليات قرار مشتركة.

وتمثل المظاهرة الجولة الثالثة في مسار احتجاجي متدرج، بعد تحركات سابقة كان من أبرزها تحرك 25 جويلية 2026. وقدّرت إحدى التغطيات عدد المشاركين في مسيرة 25 جويلية بنحو 3500 شخص، مع تركيز واضح على تدهور المعيشة وانقطاع الماء والكهرباء والأزمة السياسية؛ ولذلك ستُقاس أهمية 20 أوت بقدرتها على توسيع هذه الدائرة، لا بمجرد تكرارها.

ويتمثل الاستعداد السياسي الأبرز في توحيد الشعارات حول قضايا بسيطة ومباشرة: الحرية، وكرامة المواطن، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، ووقف توظيف القضاء، وتحسين الخدمات الأساسية. وتكمن فاعلية هذه الصياغة في انتقال المعارضة من لغة دستورية ونخبوية مجردة إلى لغة تربط الاستبداد بسعر الغذاء وانقطاع الماء وضعف النقل والصحة والتعليم.

أما الاستعداد التنظيمي، فيظهر في توسيع الدعوة إلى المواطنين والأحزاب والنشطاء والحقوقيين، وفي اعتماد موعد مسائي يسمح بمشاركة أوسع في ظل حرارة الصيف. غير أن المعلومات العلنية المتاحة لا تكفي للجزم بحجم التعبئة الجهوية أو النقابية أو الشبابية؛ ولذلك يجب عدم تحويل الدعاية السابقة للمسيرة إلى توقعات يقينية بشأن عدد المشاركين.

ويحمل اختيار ساحة الجمهورية معنى سياسيًا يتجاوز الجغرافيا؛ فهي فضاء يربط الذاكرة الجمهورية بمركز العاصمة وبشارع الحبيب بورقيبة، أي بالمسرح الرمزي للثورة والاحتجاج المدني. ومن شأن هذا الاختيار أن يعيد طرح السؤال: هل الجمهورية حكم فرد مطلق، أم مؤسسات وحقوق ومواطنة وتوازن بين السلطات؟

أربعة سيناريوهات لما بعد 20 أوت

السيناريو الأول هو نجاح تعبوي نسبي يوسّع الحضور مقارنة بتحركات جويلية، من دون أن يبلغ بعدُ مستوى التحول الشعبي الشامل. وفي هذه الحالة تصبح مظاهرة 20 أوت محطة تراكمية، تثبت أن الخوف بدأ يتراجع، وأن المعارضة قادرة على الاجتماع ميدانيًا رغم اختلافاتها.

أما السيناريو الثاني فهو حضور متوسط أو محدود بسبب الخوف والإحباط والعطلة الصيفية وضعف وسائل النقل وعدم الثقة بالأحزاب. ولا يعني ذلك بالضرورة فشل القضية الديمقراطية، لكنه يكشف أن رفض السلطة لا يتحول آليًا إلى مشاركة سياسية ما لم يجد المواطن تنظيمًا قريبًا منه وخطابًا مقنعًا بشأن مستقبله الاجتماعي والأخلاقي.

ويتمثل السيناريو الثالث في محاولة السلطة محاصرة التحرك أمنيًا أو إعلاميًا أو التقليل من حجمه، وربما تصويره بوصفه تحركًا حزبيًا ضيقًا أو عودة لمنظومة ما قبل 25 جويلية 2021. والرد الديمقراطي الأجدى على ذلك ليس الدخول في مزايدة لفظية، بل تثبيت الطابع السلمي والمواطني والتعددي للمظاهرة، وتوثيق مطالبها وانتهاكات الحق في الاحتجاج، إن وقعت.

أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر أهمية استراتيجيًا، فيتمثل في تحول 20 أوت من مناسبة احتجاجية عابرة إلى نقطة انطلاق لمسار تنسيقي مستمر. ويتطلب هذا المسار اجتماعات لاحقة، وتقييمًا علنيًا للتحرك، وتوافقًا على مواعيد وطنية وجهوية، من دون استعجال إعلان جبهة اندماجية قد تنفجر بسبب خلافاتها الداخلية.

وحدة الحد الأدنى.. لا إلغاء للاختلاف

إن التقارب الممكن بين المعارضة الإسلامية الديمقراطية واليسار الديمقراطي والليبراليين والحقوقيين لا ينبغي أن يقوم على محو الهويات. فالوحدة الديمقراطية الناجحة ليست وحدة عقائد، بل وحدة قواعد: نبذ العنف، ورفض الإقصاء، واحترام الانتخابات، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم والتعبير، والتداول السلمي على السلطة.

لذلك، يجب الانتقال من مطلب «الاتفاق على كل شيء» إلى مبدأ «التعاون في المتفق عليه وإدارة الاختلاف في المختلف فيه». يستطيع اليساري أن يحتفظ بنقده للإسلام السياسي، ويستطيع الإسلامي أن يحتفظ بمرجعيته القيمية ونقد ممارسات وتجارب اليساريين، ويستطيع الليبرالي الدفاع عن قراءته لتاريخ الدولة، بشرط ألا يستخدم أي طرف أجهزة الدولة لإلغاء الآخرين.

ويمكن تنظيم هذا التقارب عبر وثيقة مقتضبة تسمى «الميثاق الديمقراطي»، لا عبر برنامج حكومي مفصل. وتتضمن الوثيقة استعادة الشرعية الدستورية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين وسجناء الرأي، وإلغاء النصوص المقيدة للحريات، وضمان استقلال القضاء والإعلام، والإعداد لمسار انتخابي حر تشرف عليه هيئة مستقلة.

أما الخلافات المتعلقة بالنظام الاقتصادي والهوية والعلاقة بين الدين والدولة وقوانين الأحوال الشخصية والسياسة الخارجية، فينبغي تأجيل حسمها إلى الفضاء الديمقراطي المنتخب. فوظيفة التنسيقية المقترحة ليست إنتاج أيديولوجيا جامعة، بل إعادة بناء الساحة التي يمكن داخلها أن تتنافس الأيديولوجيات سلميًا.

وينبغي أيضًا الاعتراف المتبادل بالأخطاء. فلا يمكن بناء الثقة إذا طالبت كل قوة الآخرين بنقد ذواتهم، بينما قدمت نفسها بوصفها بريئة من أخطاء الانتقال الديمقراطي. المطلوب عملية مراجعة متبادلة تشمل أخطاء الحكم والمعارضة، والإقصاء والاستقطاب، والتردد في الإصلاح، وتقديم الحسابات الحزبية على بناء المؤسسات.

النهضة ورأس المال الاجتماعي والرمزي للإسلام

بالنسبة إلى حركة النهضة، يمر الاندماج في جبهة ديمقراطية واسعة عبر ما عبّرت عنه من قناعات في التحول من مركزية الجماعة إلى أفق الحزب المدني الديمقراطي. وهذا يعني القبول الصريح بأن المشروعية السياسية مصدرها المواطن والانتخاب والدستور، وأن المرجعية الإسلامية إسهام قيمي ونهوض وطني وثقافي، وليست امتيازًا سياسيًا أو احتكارًا لتمثيل الدين.

فحركة النهضة تمتلك عمقًا اجتماعيًا وتاريخيًا لا يمكن إنكاره، تشكّل عبر عقود من النشاط الدعوي والسياسي والثقافي والاجتماعي، ومن تجربة السجون والمنافي والمقاومة السياسية والمشاركة الانتخابية. غير أن هذا الرصيد لا يتحول إلى رأسمال ديمقراطي إلا إذا وُضع في خدمة قضية عامة تتجاوز الدفاع عن التنظيم الحزبي وحده وقياداته.

ويمكن للحركة الديمقراطية الوطنية توظيف هذا العمق في إعادة بناء شبكات التضامن مع عائلات السجناء، ومساندة ضحايا المحاكمات، وربط الأحياء الشعبية والجهات الداخلية بالحركة الحقوقية في العاصمة. فرأس المال الاجتماعي لا يُقاس فقط بعدد الأنصار، بل بقدرته على تحويل المعاناة الفردية إلى تضامن وطني عابر للانتماءات.

أما رأس المال الرمزي للإسلام في تونس، فلا يمكن توظيفه في استقطاب ديني مضاد، بل يمكن أن يكون مصدر استنهاض عظيم لقيم العدل والكرامة والحرمة الإنسانية والشورى والأمانة ومقاومة الظلم. ويمكن بذلك تقديم الديمقراطية باعتبارها تجسيدًا سياسيًا لكرامة الإنسان ومنع الاستبداد، لا باعتبارها مفهومًا غريبًا عن الوجدان الديني للمجتمع.

ويقتضي هذا التوظيف الابتعاد عن لغة التكفير والتخوين والفرز بين «إسلاميين» و«علمانيين» على أساس الإيمان، وهو ما تجاوزته حركة النهضة والإسلام الديمقراطي. فالإسلام، بوصفه رأسمالًا رمزيًا مشتركًا، يفقد قوته الأخلاقية حين يتحول إلى أداة ملكية حزبية، بينما يكتسب معنى تحرريًا عندما يحمي حق المختلف وحقوق جميع المواطنين.

لقد قدمت حركة النهضة خدمة حقيقية للوحدة الموقفية والوطنية حين خففت من مركزيتها التنظيمية داخل الحراك، وشاركت من دون نزوع إلى الهيمنة على المنابر والشعارات والصورة العامة. إن القدرة على الحضور القوي، مع قبول موقع الشريك المتكافئ، ستكون دليلًا عمليًا على نضج الإسلام الديمقراطي أكثر من أي إعلان نظري.

اليسار الديمقراطي.. من أولوية الخصومة إلى مقاومة الاستبداد

ويمتلك اليسار الديمقراطي، بدوره، رأسمالًا تاريخيًا يتمثل في النضال النقابي والطلابي والحقوقي، والدفاع عن العدالة الاجتماعية والدولة المدنية والحريات الفردية. غير أن تجديد فاعليته يقتضي التحرر من الاهتمامات والصراعات الهامشية، ومن الاختزال الذي يجعل معارضة النهضة أولوية تتقدم دائمًا على مقاومة الاستبداد الغاشم.

إن المطلوب من اليسار الديمقراطي ليس التخلي عن نقد تجربة الإسلاميين، بل تحويل نقده من أداة إقصاء إلى آلية ضمان ديمقراطي. فبإمكانه المطالبة بالمساواة والحقوق الاجتماعية ومدنية الدولة داخل تحالف يضم الإسلاميين، ما دام الجميع ملتزمين بعدم استخدام القوة أو القضاء أو الإدارة لإلغاء الخصم.

حين يتكامل الرأسمالان الإسلامي واليساري

وهكذا يمكن للرأسمالين، الإسلامي واليساري، أن يتكاملا ميدانيًا: الأول يمتلك شبكات اجتماعية وعمقًا وطنيًا وتاريخيًا وذاكرة صمود وقدرة على التعبئة السياسية والأخلاقية، والثاني يمتلك خبرة نقابية وحقوقية ولغة للعدالة الاجتماعية. وعندما يلتقيان على الحرية والكرامة الاجتماعية، يصبح من الصعب على السلطة اختزال المعارضة في «الإخوان الإسلاميين» أو في «الإخوان اليساريين من النخب المعزولة».

وتمثل المشاركة المحتملة لقوى شديدة الاختلاف اختبارًا صعبًا لمبدأ الاعتراف المتبادل. فالمشاركة في الفضاء نفسه لا تعني تزكية تاريخ أي طرف أو برنامجه، لكنها قد تؤسس لقاعدة حاسمة: لا سجن ولا منع ولا اعتداء على أي منافس سياسي، ويُحسم الخلاف بواسطة القانون والانتخاب.

تفكيك الأساطير المؤسسة للحكم الفردي

إلا أن خطاب السلطة يرتكز، منذ 25 جويلية 2021، على أساطير سياسية، أبرزها أن الرئيس يجسد الشعب وحده، وأن الوسائط الحزبية مصدر فساد بالضرورة، وأن تركيز السلطات شرط للتطهير، وأن كل معارضة مؤامرة، وأن تعطيل الحريات ضرورة مؤقتة لإنقاذ الدولة. وتفكيك هذه الأساطير لا يتم بالشعارات المضادة وحدها، بل بمقارنة الوعود بالنتائج.

الأسطورة الأولى، أي وحدة الرئيس والشعب، تُفكك بإبراز تعدد المجتمع التونسي ومصالحه وأفكاره وجهاته. فلا يملك فرد، مهما كانت شعبيته، حق احتكار الإرادة العامة؛ فالشعب لا يتكلم بصوت واحد، بل عبر الانتخابات الحرة والنقابات والأحزاب والجمعيات والإعلام والاحتجاج السلمي.

والأسطورة الثانية، القائلة إن الحكم الفردي أكثر كفاءة، تُفكك بمساءلة الأداء الفعلي في الماء والكهرباء والأسعار والنقل والصحة والاستثمار. وقد جاء تحرك 20 أوت نفسه تحت عنوان الاحتجاج على العبث بالماء والكهرباء، بما يحول النقاش من نوايا الرئيس وخطبه إلى حصيلة السلطة المركزية في حياة المواطنين.

أما الأسطورة الثالثة، التي تختزل الديمقراطية في «العشرية السوداء»، فتُفكك بالفصل بين نقد أخطاء مرحلة 2011–2021 وبين تبرير إلغاء الديمقراطية. ويمكن الاعتراف بضعف الحكومات والأحزاب والبرلمان، مع التأكيد أن العلاج هو إصلاح المؤسسات وتعميق الثقافة الديمقراطية وديمقراطية الممارسة السياسية، لا القضاء على المؤسسات وإطلاق يد الحاكم الفرد.

أما أسطورة «التآمر الدائم»، فتُواجه بالقانون والشفافية والحق في المحاكمة العادلة. وقد شهدت تونس توسعًا في ملاحقة سياسيين ومحامين وصحفيين ومعارضين، بينما تصف قوى حقوقية ومعارضة المحاكمات بأنها سياسية وكيدية. وقد صار الإفراج عن المعتقلين وإلغاء المرسوم 54 من نقاط الالتقاء الأساسية بين قوى مختلفة.

من جبهة الخلاص إلى تنسيقية وطنية للحركة الديمقراطية

يمكن تطوير جبهة الخلاص الوطني عبر تحويلها من ائتلاف تدور صورته أساسًا حول مكونات بعينها إلى فضاء أوسع للحوار الديمقراطي. وهذا يستوجب تجديد هياكلها، وتوسيع مشاركة النساء والشباب والجهات، واعتماد قيادة جماعية دورية، وفصل الناطق باسم الجبهة عن قيادات الأحزاب المكونة لها.

غير أن توسيع الجبهة لا يعني بالضرورة مطالبة بقية القوى بالانضمام إليها تحت اسمها الحالي. فقد تكون الصيغة الأنجع إنشاء «تنسيقية وطنية للحركة الديمقراطية»، تكون جبهة الخلاص و«نَفَس» والأحزاب الديمقراطية والمنظمات المدنية والشخصيات المستقلة مكونات رئيسية ومتكافئة داخلها، من دون استتباع أحدها للآخر.

ويمكن أن تتكون التنسيقية من مجلس وطني تمثيلي، وسكرتارية تنفيذية صغيرة، ولجان للحريات والعدالة الاجتماعية والإعلام والجهات ومساندة السجناء. وينبغي أن تتخذ قراراتها الكبرى بالتوافق، مع السماح لكل مكوّن بالتعبير عن مواقفه الخاصة خارج الحد الأدنى المشترك.

ويُستحسن أن تعتمد التنسيقية قاعدة تمنع الهيمنة العددية، وألا تحتكر الشخصيات التاريخية القرار. فالتوازن بين الأحزاب والمبادرات المواطنية والمنظمات والشباب والمستقلين يحميها من أن تصبح مجرد إعادة تسمية لتحالفات حزبية سابقة.

كما ينبغي أن تتحول نداءات السجناء من رمزية أخلاقية إلى برنامج سياسي: الوحدة دون إقصاء، وإطلاق سراح جميع سجناء الرأي بصرف النظر عن انتمائهم، والدفاع عن استقلال القضاء، ورفض الانتقام بعد استعادة الديمقراطية. وقد عبّرت رسائل من داخل السجون عن ضرورة تجاوز الحسابات الضيقة والخلافات بين القوى المعارضة، وهو ما يمنح الوحدة مشروعية التضحية، لا مجرد مصلحة انتخابية.

كسر الخوف وبناء الثقة.. معيار النجاح الحقيقي

ومعيار نجاح 20 أوت ليس إسقاط السلطة في يوم واحد، بل إنتاج ثلاث نتائج تراكمية: كسر الخوف، وتوسيع قاعدة المشاركة، وبناء الثقة بين المختلفين. فإذا انتهت المظاهرة من دون هيئة متابعة أو رزنامة تحركات وحوار سياسي، فستظل لحظة احتجاجية؛ أما إذا أعقبتها مجالس جهوية وميثاق وطني وتحركات اجتماعية سلمية منتظمة، فقد تصبح بداية حركة ديمقراطية جديدة.

نحو كتلة تاريخية ديمقراطية

إن الطريق الواقعي لا يمر عبر ذوبان النهضة في اليسار، ولا إخضاع المجتمع المدني للأحزاب، ولا إلغاء الذاكرات المتعارضة، بل عبر بناء كتلة تاريخية ديمقراطية تعترف بالاختلاف وتحول دون عودة الاستبداد والانتقام. وتستطيع مظاهرة 20 أوت أن تكون لحظة تأسيسية إذا جمعت بين سلمية الشارع، وأخلاقية التضامن مع السجناء، ومطالب الحياة اليومية، وميثاق سياسي يجعل الحرية والكرامة والعدالة والتداول السلمي قواعد تعلو على جميع الحسابات الحزبية.

تكشف مظاهرة 20 أوت أن المعركة الديمقراطية في تونس لم تعد صراعًا بين رئيس ومعارضيه فحسب، بل أصبحت مواجهة بين مشروع الحكم الفردي القائم على احتكار تمثيل الشعب وإضعاف الوسائط والمؤسسات، ومشروع وطني وجمهوري وديمقراطي يعيد للمواطن حقه في الحرية والكرامة والمشاركة والعدالة الاجتماعية.

ولذلك، لن تُقاس القيمة التاريخية لهذا التحرك بعدد المشاركين فيه وحده، وإنما بقدرته على كسر حاجز الخوف، وربط معاناة الناس اليومية بأزمة الاستبداد، وتحويل الاحتجاج المتفرق إلى فعل سلمي منظم ومتراكم. فالديمقراطية لا تُستعاد بضربة واحدة، بل ببناء الثقة بين المواطنين، وتوسيع ساحات التضامن، وتثبيت أن معالجة أخطاء الانتقال الديمقراطي لا تكون بإلغاء الحرية، وإنما بإصلاح المؤسسات وتجديد النخب وتعميق المشاركة الشعبية.

إن الأفق الذي يمكن أن تفتحه هذه اللحظة هو بناء كتلة تاريخية ديمقراطية تجمع الإسلام الديمقراطي واليسار الديمقراطي والقوى الليبرالية والحقوقية والمواطنية حول ميثاق أدنى، يحمي الحريات، ويضمن استقلال القضاء، ويطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ويؤسس للتداول السلمي على السلطة.

ولا تقتضي هذه الوحدة محو الاختلافات أو إغلاق ملفات النقد والمراجعة، بل تحويل التعدد إلى مصدر قوة وثراء، ومنع أي طرف من احتكار الوطن أو الدين أو الثورة أو الديمقراطية. فإذا نجحت جبهة الخلاص والحراك الشعبي وسائر القوى المعارضة في الانتقال من التنسيق الظرفي إلى تنسيقية وطنية دائمة، فقد تصبح مظاهرة 20 أوت بداية مسار يعيد إلى التونسيين الثقة في قدرتهم على مقاومة الاستبداد وبناء جمهورية جديدة قوامها المواطنة والحرية والعدالة والوفاء لتضحيات سجناء الحق في الثورة والديمقراطية.


تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر