عبد العزيز التميمي: إعلامي وكاتب صحفي متخصص في الشؤون السياسية
تعود مسألة استعادة الديمقراطية وروح ثورة الحرية والكرامة في تونس إلى الواجهة كلما استطاع الفعل الاحتجاجي أن يصل بين الدفاع عن الحريات ومطالب العيش الكريم، وأن يفتح في جدار الانسداد السياسي نافذة للعمل المشترك والأمل. ومن هذه الزاوية، تطرح مظاهرة 17 أكتوبر سؤالًا يتجاوز حجم الحضور وقوة الشعارات إلى قدرة القوى الاجتماعية والسياسية على تحويل الاعتراضات المتفرقة إلى فعل وطني تراكمي.
فالرهان الحقيقي يتمثل في بناء إرادة جماعية تجمع بين مقاومة الحكم الفردي وتقديم أفق مقنع للخروج من الأزمة، وتعيد إلى المواطنين الثقة في جدوى المشاركة وقدرتهم على التأثير في مستقبل بلادهم.
ويتزامن هذا الرهان الداخلي مع تداول مشروع قانون أمريكي يتعلق باستعادة الديمقراطية في تونس، بما يعيد طرح العلاقة المعقدة بين السيادة الوطنية والمساندة الدولية، وبين المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى وتطلعات الشعوب إلى الحرية.
لذلك، يستدعي فهم اللحظة التونسية تقدير إمكانات الضغط الخارجي وحدوده، وفحص شروط تشكّل بديل ديمقراطي يستمد شرعيته من المجتمع. وفي صلب هذا الفحص يبرز سؤال المقالة: كيف تتحول ديناميكية الاحتجاج إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة، تستفيد من الظروف الدولية، وتحتفظ في الوقت نفسه بزمام المبادرة والقرار؟
شهدت تونس، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، تحركًا احتجاجيًا مهمًا شارك فيه آلاف الأشخاص في العاصمة. وأوردت دويتشه فيله تقديرًا يتجاوز ثلاثة آلاف مشارك، بينما وصفت رويترز المسيرة بأنها الأكبر ضد الرئيس قيس سعيّد منذ سنوات.
والأدق اعتماد عبارة «آلاف المشاركين»، مع نسبة التقديرات العددية إلى مصادرها، في غياب إحصائية مستقلة ونهائية للحضور. ويمثل هذا الحجم مؤشرًا ذا دلالة في سياق الاحتقان والاعتراض السياسي، لكنه لا يكفي وحده لوصف التحرك بأنه انتفاضة شعبية شاملة أو بداية سقوط وشيك للسلطة.
مظاهرة أعادت ديناميكية الفعل والأمل
جاءت مظاهرة 17 أكتوبر بدعوة من تسع منظمات وجمعيات، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابة الصحفيين التونسيين، فيما أعلنت ثمانية أحزاب مشاركتها فيها.
وتكمن أهميتها الأولية في اجتماع قوى نقابية ومدنية وحزبية حول مطالب تتصل بالأوضاع الاجتماعية والحريات، بما يوسّع قاعدة الاحتجاج إلى ما يتجاوز التعبئة الحزبية المنفردة. غير أن الاشتراك في مسيرة واحدة لا يثبت، بمفرده، قيام جبهة سياسية موحدة أو اتفاق المشاركين على قيادة مشتركة وبرنامج انتقالي واحد.
وقد جمعت المسيرة بين المطالبة باستقلال القضاء، والإفراج عن الموقوفين، والدفاع عن العمل النقابي والصحفي، وبين مطالب معيشية وبيئية، من بينها قضية التلوث في قابس.
وسياسيًا، يتبيّن أن هذا الربط بين الحرية والعيش الكريم هو أحد أهم العوامل التي قد تمنح الاحتجاج قابلية للاتساع؛ لأنه يُخرج الديمقراطية من صورتها بوصفها قضية تخص النخب وحدها، ويصلها بالحياة اليومية للمواطنين.
غير أن نجاح هذا الربط يتطلب تفسيرًا مقنعًا للعلاقة بين غياب المساءلة وتعثّر السياسات العامة، بدل الاكتفاء بجمع شعارات مختلفة في المكان نفسه.
أما تأثير التحرك في منظومة الحكم التي تشكّلت بعد 25 جويلية 2021، والتي يصفها الكاتب بالانقلابية، فينبغي تقديره باعتباره ضغطًا سياسيًا قابلًا للتراكم، لا تحولًا محسومًا في ميزان القوى.
فالمسيرة تستطيع إظهار استمرار الاعتراض وكسر الشعور بالعزلة لدى المعارضين، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا إذا أعقبتها مشاركة متجددة، واتساع على المستويات الجهوية والسياسية والاجتماعية، وقدرة على فرض مطالب محددة.
وسيكون المعيار الحاسم خلال الأسابيع التالية هو مدى تحوّل هذا التحرك المشترك إلى عمل منظّم ومستمر، أو عودة كل طرف إلى نشاطه المنفصل.
المشروع الأمريكي: بين المساندة الديمقراطية والمصالح الاستراتيجية
في ما يتعلق بمشروع القانون الأمريكي المعنون «استعادة الديمقراطية في تونس»، الذي قدّمه النائبان جو ويلسون وجيسون كرو في 2 سبتمبر 2025، تشير المعطيات المتداولة إلى إحالته إلى لجنتَي الشؤون الخارجية والقضاء بمجلس النواب الأمريكي.
وتكشف المتابعات السياسية والإعلامية أن المشروع، رغم تقديمه إلى المجلس، لا يزال يتطلب استكمال مراحل تشريعية قبل أن يتحوّل إلى قانون نافذ.
ويتضمن النص المقترح حظر تمويل أجهزة أو وحدات أمنية مرتبطة بالقمع وانتهاكات حقوق الإنسان وتقويض الديمقراطية، وفرض عقوبات مالية وقيود على الدخول إلى الولايات المتحدة بحق أشخاص يستوفون المعايير المنصوص عليها، إلى جانب إعداد استراتيجية أمريكية لدعم استعادة المؤسسات الديمقراطية.
كما يربط رفع العقوبات بشروط تشمل استعادة الإطار الدستوري والقانوني المنظّم للمؤسسات، وإجراء انتخابات حرة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين.
وهذه البنود تبقى مشروطة بإقرار المشروع واستكمال الإجراءات اللازمة لنفاذه. وهي تكشف توجهات مقدّميه، ولا تمثل في ذاتها قرارًا تنفيذيًا أمريكيًا قائمًا.
ومن ثمّ، فإن العلاقة بين مظاهرة 17 أكتوبر والمشروع الأمريكي لا تتجاوز، استنادًا إلى المعطيات المعروضة، التزامن بين مسارين مختلفين، ولا تثبت وجود علاقة سببية بينهما.
فالدعوة إلى المسيرة انطلقت من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تونس، ولا تتوافر أدلة تثبت أن المشروع الأمريكي كان وراء إطلاقها أو توجيهها.
وقد يشجع الاهتمام الخارجي بعض المعارضين معنويًا، لكنه قد يمنح السلطة أيضًا فرصة لاتهام خصومها بالارتهان للخارج. ولذلك، تتعزز قوة الاحتجاج حين تستند مطالبه وقيادته وشرعيته إلى المجتمع التونسي، وإلى وحدة القوى الوطنية المستقلة عن استراتيجيات التوسع والتوظيف الإمبريالي.
أما المصالح الأمريكية في تونس، فتتداخل فيها القيم الديمقراطية المعلنة مع الحسابات الاستراتيجية.
وتُظهر وثائق العلاقات الثنائية الأمريكية، بوصفها خلفية تاريخية، ترابط دعم المؤسسات الديمقراطية مع التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية، فضلًا عن التعامل مع تداعيات النزاعات والتطورات الإقليمية، ولا سيما في ليبيا والجزائر.
وكانت الولايات المتحدة قد منحت تونس صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي سنة 2015، خلال رئاسة الراحل الباجي قائد السبسي.
ويمكن الاستنتاج سياسيًا من ذلك أن واشنطن قد ترى في استقرار المؤسسات الديمقراطية التونسية وسيلة لبناء شراكة أكثر استقرارًا وقابلية للتعاون، في ظل اضطراب التحالفات الدولية، لا مجرد مكسب أخلاقي منفصل عن مصالحها.
ومع ذلك، لا توجد «إرادة أمريكية» واحدة يمكن اختزالها في موقف نائبين، حتى وإن انتميا إلى حزبين مختلفين.
فمواقف الكونغرس والإدارة الأمريكية والأجهزة الأمنية قد تتقاطع أو تختلف، وقد تتقدم الاعتبارات الأمنية على الديمقراطية عند اتخاذ القرار.
ويعكس المشروع نفسه هذه الموازنة، إذ يجيز الإعفاء من بعض العقوبات لدواعٍ تتصل بالأمن القومي الأمريكي.
لذلك، لا ينبغي تفسير المشروع باعتباره تعهدًا أمريكيًا غير قابل للتراجع بإعادة الديمقراطية إلى تونس، ولا دليلًا على وجود خطة مكتملة لتغيير الحكم.
بين العامل الداخلي والضغط الأمريكي: أين تكمن قوة التغيير؟
عند المفاضلة بين العامل الداخلي والضغط الأمريكي، يظل العامل المؤسس لاستعادة الديمقراطية هو بناء قوة تونسية اجتماعية وسياسية منظّمة، بينما يمكن للضغط الخارجي أن يسهم في تسريع التغيير أو تسهيل شروطه.
فالخارج قد يرفع كلفة القمع، أو يساعد في حماية مساحة من النشاط المدني، أو يشجع التفاوض؛ لكنه لا يستطيع أن يوفّر، بمفرده، الشرعية الشعبية والمؤسسات والثقة اللازمة لاستدامة الديمقراطية.
وفي المقابل، قد يتعثر حراك داخلي قوي إذا واجه قمعًا متواصلًا وغطاءً خارجيًا للسلطة. ومن هنا، فإن العلاقة بين العاملين تفاعلية، مع ضرورة بقاء مركز المبادرة والقرار داخل تونس.
ولا تعني وحدة المعارضة ذوبان مكوّناتها في حزب واحد أو اتفاقها على قراءة موحدة للماضي.
والمقصود عمليًا هو توافقها على قواعد مشتركة، تشمل رفض الاعتقال بسبب النشاط السياسي، وضمان استقلال القضاء، وحرية التنظيم والإعلام، وتداول السلطة عبر انتخابات تتوافر فيها الضمانات الديمقراطية.
وتحتاج هذه الوحدة أيضًا إلى معالجة أزمة الثقة بين الديمقراطيين من مختلف التيارات الإسلامية واليسارية والليبرالية، وإلى مراجعة أخطاء المرحلة السابقة لسنة 2021.
فالائتلاف الذي يطالب المواطنين بمنحه الثقة، مطالب بدوره بتوضيح كيفية تجنّب تكرار أزمات الحكم السابقة، وتقديم ضمانات لاحترام حقوق المختلفين معه بعد التغيير.
ويصبح دور التنسيقيات الداخلية أكثر فاعلية حين تصل بين الجهات والفئات والمطالب، وتتيح المشاركة لمن لا يرغبون في الانخراط الحزبي.
لكن تعدد التنسيقيات قد يتحوّل إلى عامل تشتيت إذا غابت آليات التشاور والتمثيل وتسوية الخلافات.
ومن الناحية التحليلية، تتحدد قدرة الاحتجاج على تغيير ميزان القوى بمدى استمراره واتساعه، وقدرته على تقديم بديل مقنع، وطبيعة استجابة مؤسسات الدولة له.
ولهذا، قد تكون وحدة المطالب وقواعد العمل المشترك أهم من الاتفاق الفوري على زعيم واحد، كما قد يشكّل تحقيق مكاسب حقوقية ملموسة أساسًا لتراكم سياسي واجتماعي أوسع.
احتجاجات حوض المتوسط: هل تنتقل عدوى الشارع؟
أما الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا وإيطاليا، فقد وثّقت تقارير سياسية وإعلامية بتاريخ 17 أكتوبر تحركات واسعة مرتبطة بغلاء المعيشة والخدمات العامة، إلى جانب اشتباكات وأعمال تخريب خلال احتجاجات في مدينة ميلانو.
غير أن التزامن بين هذه الاحتجاجات وتشابه بعض مطالبها لا يثبتان، بمفردهما، وجود حركة احتجاجية واحدة عابرة للحدود أو انتقالًا مباشرًا للتعبئة من بلد إلى آخر.
ويمكن الحديث، على سبيل الاحتمال، عن تأثير إعلامي ومعنوي متبادل عبر صور الاحتجاج وشبكات التواصل الاجتماعي؛ أما تحوّل هذا التأثير إلى تعبئة فعلية في تونس، فيبقى مرتبطًا بالظروف الداخلية وبقدرة القوى المحلية على التنظيم.
كما أن مشاهد العنف قد تدفع بعض المواطنين إلى الخوف من المشاركة في الاحتجاجات، فتكون «العدوى» مثبّطة للتعبئة بدل أن تكون محفّزة لها.
تطوير وحدة المعارضة: من الاحتجاج إلى بناء البديل
بناءً على ذلك، يمكن اعتبار مظاهرة 17 أكتوبر فرصة لتطوير معارضة اجتماعية وديمقراطية أوسع، تستفيد من خبرات العمل الوطني المشترك، وتمتلك الإرادة والحكمة والجاهزية السياسية والاستراتيجية الضرورية لمواجهة الحكم الفردي عبر الوسائل السلمية، واستعادة روح الثورة والديمقراطية.
غير أن الوزن الحقيقي للمظاهرة لن يتحدد بحجم المشاركة فيها وحده، بل بما ستفضي إليه من نتائج خلال المرحلة اللاحقة.
وتشمل هذه النتائج استدامة التعاون بين المكوّنات السياسية والمدنية للحركة الاحتجاجية، واتساع المشاركة الشعبية، وتحقيق مكاسب ملموسة في مجال الحريات، وبلورة مخرج سياسي يحفظ الدولة الوطنية ويعيد إخضاع السلطة للمساءلة.
وقد يصبح الضغط الأمريكي عاملًا مؤثرًا في لحظة سياسية معينة، لكن التعويل عليه بوصفه بديلًا عن الفعل الداخلي يجعل مصير الديمقراطية رهين المصالح الإمبريالية والاستراتيجيات الدولية المتغيرة.
أما الأساس الأكثر متانة، فيكمن في بناء قوة وطنية تونسية ديمقراطية تجمع بين الحرية والعدالة الاجتماعية، وتستفيد من المساندة الدولية دون أن تفوّض إليها تقرير مستقبل البلاد.
استعادة الديمقراطية تبدأ من الداخل
تتحدد القيمة السياسية لمظاهرة 17 أكتوبر بما تستطيع أن تؤسس له من تعاون مستمر بين القوى النقابية والمدنية والحزبية، وبقدرتها على إقامة صلة فعلية بين الحريات والعدالة الاجتماعية.
فالانتقال من التعبير عن الغضب إلى تغيير ميزان القوى يحتاج إلى مطالب مشتركة، وآليات لبناء الثقة، ومراجعة نقدية لأخطاء الماضي، وضمانات تمنع تجدد الإقصاء والاستئثار بالسلطة.
وعندئذ، تصبح وحدة المعارضة تعاقدًا ديمقراطيًا يطمئن المجتمع إلى أن تجاوز الحكم الفردي سيفتح الطريق أمام حكم مسؤول، يحفظ الدولة ويُخضع مؤسساتها للقانون والمساءلة.
وفي هذا المسار، تكتسب المساندة الدولية قيمتها بقدر ما توسّع مجال الحرية، وترفع كلفة القمع، وتحترم استقلال القرار الوطني التونسي.
أما تعليق الأمل على إرادة خارجية متقلبة، فيجعل المستقبل الديمقراطي عرضة لمساومات لا يملك التونسيون تحديد شروطها.
ولذلك، يبقى الرهان الأعمق هو بناء قوة وطنية واسعة تجعل الديمقراطية مطلبًا اجتماعيًا ملموسًا، وتمنح الاحتجاج استمراره، والتنظيم فاعليته، والبديل صدقيته.
فمن داخل هذا البناء يمكن للأمل أن يتحول إلى قدرة، ولرفض الاستبداد أن يصبح مشروعًا وطنيًا لاستعادة الحرية والكرامة، وتكريس سيادة الشعب على وطنه ومستقبله.
===
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


